د. عزام شعث يكتب: 2019.. تدهور أوضاع حقوق الإنسان في فلسطين

أُسدل عام 2019 على قرار المحكمة الجنائية الدولية بإجراء تحقيق في الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، الذي أُحيل إلى قُضاة المحكمة والدائرة التمهيدية للاستشارة بشأن الولاية الإقليمية للمحكمة والأراضي المشمولة ضمن صلاحيتها. ومن المنتظر أن تُوصي الدائرة، خلال مدة أقصاها ستة شهور من تاريخ الإحالة، بصلاحية إجراء التحقيق لأسباب وجيهة، أهمها: حصول فلسطين على صفة دولة غير عضو “مراقب” في الأمم المتحدة في نوفمبر 2012؛ وانضمامها إلى نظام روما الأساسي في يناير 2015؛ وقبول المحكمة لشكاوى السلطة ومرافعات المنظمات الحقوقية الفلسطينية حول الانتهاكات الإسرائيلية بعد العدوان على قطاع غزة عام 2014، ومطالبتها بفتح تحقيق في جرائم الحرب ضد المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.

ولا شك في أن هذا القرار، وإن كان قد تأخر كثيرًا، يُعدّ انتصارًا للضحايا ولعذابات ذويهم، ولعدالة قضيتهم، ومكسبًا للفلسطينيين بالمعنيين القانوني والسياسي، ينبغي استثماره والبناء عليه بجهود جماعية استثنائية لجهة ضمان فتح التحقيق الشامل في جرائم دولة الاحتلال وإجراءاتها وسياساتها المستمرة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ومدينة القدس المحتلة، تترافق معها عملية بناء الملفات القانونية والتعاون مع المحققين الدوليين ورفدهم بالحقائق والمعلومات الموثقة التي تُدين “إسرائيل” في قضايا: العدوان المفتوح ضد المدنيين، والاستيطان غير القانوني واللاشرعي في الضفة الغربية ومدينة القدس، ونهب الثروات الطبيعية، وغيرها من الملفات التي مارس فيها الاحتلال جرائم ترقى إلى مستوى العقوبات الجماعية وجرائم الحرب.

كان من المتوقع أن يُواجه القرار الدولي معارضة إسرائيلية- أمريكية وعلى كل المستويات في محاولة لإسقاطه وتجاوزه. فمن غير المتوقع أن تستجيب دولة الاحتلال للنداءات الدولية وهي تخالف قواعد القانون الإنساني الدولي وتتنكر لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومن غير المعقول أن تؤيد الولايات المتحدة قرارًا دوليًا بهذا المستوى يدين “إسرائيل”، وهي أي الولايات المتحدة، التي ترعاها وتدعمها، وتشكل لها الحاضنة والغطاء على كل ما تقترف من جرائم حرب ضد الفلسطينيين والعرب على حدٍ سواء، وعلى امتداد مسيرة الصراع العربي- الإسرائيلي، منذ أكثر من سبعين عامًا.

بهذا المعنى تتأكد حقيقة أن قرار “الجنائية الدولية” كان بمثابة الزلزال السياسي الذي أصاب “إسرائيل”، وهي التي اعتادت على مخالفة القانون؛ لأنها “دولة فوق القانون” وبمنأى عن المساءلة، ويخدمها في ذلك ضعف المنتظم الدولي واختلال ميزان القوى، وهذا ما تفسره الجرائم الإسرائيلية المستمرة والمتواصلة، وإجراءاتها وسياساتها ضد المدنيين الفلسطينيين في كل مكان.

كان 2019، عاماً كارثياً بمفهوم حقوق الإنسان على الفلسطينيين؛ ففيه فتحت السلطات الإسرائيلية المحتلة عدوانها ضد المدنيين من سكان قطاع غزة لمرتين في مايو ونوفمبر، استهدفت فيهما المدنيين المحميين بموجب قواعد القانون الإنساني الدولي، والمنشآت والأعيان المدنية، وخلال العام واصلت اعتداءاتها ضد المشاركين في مسيرات العودة على الحدود الشرقية للقطاع، بمن فيهم الصحفيين، وأفراد المهمات الطبية، وذوي الإعاقة، في وقت لم يكن هؤلاء جميعهم يشكلون أيّ تهديد لجنود الاحتلال الإسرائيلي، فقد كانوا منخرطين في فعاليات وأنشطة سلمية تطالب بالعودة إلى المدن التي هُجروا منها، ورفع الحصار المستمر للعام الثالث عشر على قطاع غزة، ولقد تأكدت هذه الحقائق في وثائق المنظمات الحقوقية، الدولية، الإقليمية والمحلية، وفي تقرير لجنة المحققين الدوليين التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منتصف عام 2019.

وعلى امتداد عام 2019، واصلت “إسرائيل” بوصفها قوة محتلة، تشديد حصارها المفروض على قطاع غزة، وعكست إجراءاتها في تقييد حركة الأفراد عبر معبر بيت حانون “إيريز” آثارها الكارثية على أحوال سكان القطاع وفي كل المجالات، أبرزها القيود المشدّدة على حركة وتنقل مرضى قطاع غزة، الذين لا تتوفر إمكانية علاجهم في مشافي القطاع، وتتطلب أمراضهم الخطيرة والمستعصية نقلهم إلى مشافي الضفة الغربية أو المشافي الإسرائيلية، على نحوٍ عاجل لا يقبل التأجيل، فقد منعت السلطات المحتلة خلال العام نحو 8000 مريض من اجتياز المعبر، فضلًا عن القيود المفروضة على تنقل مرافقي المرضى وابتزازهم واعتقالهم ومعاملتهم معاملة حاطة بالكرامة الإنسانية.

لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، وكان للضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة نصيب منها خلال هذا العام. لقد واصلت دولة الاحتلال تعزيز الاستيطان في مدن الضفة الغربية إلى 13 بؤرة، ضمت 8371 وحدة، فضلًا عن المخططات الاستيطانية المؤجلة لتنفيذها في العام 2020، واستمرت في “أسرلة” مدينة القدس وتهويد معالمها وإرثها الإسلامي والمسيحي.

فهل ستحاكم “الجنائية الدولية” إسرائيل وتردعها نظير جرائمها وانتهاكاتها المستمرة ضد الفلسطينيين، ويكون عام 2020، عام الانتصار لعذابات الثكلى، وهدية مبكرة للضحايا وذويهم؟