د. عزام شعث يكتب: 26 عامًا على «أوسلو» .. ما الذي حقّقه الفلسطينيون؟

 

 بانتقال الفكر السياسي الفلسطيني إلى منطق التسوية والمفاوضات مع “إسرائيل”؛ انزاحت الحركة الوطنية الفلسطينية عن أهدافها، وتبدلت أدوات إدارتها للصراع؛ التي عرفتها على مدى ثلاثين عامًا. تتأكد حقيقة هذه التحولات رغم تبرير قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لجوئها إلى خيار التسوية بفعل الضغوط الدولية والإقليمية التي تعرضت لها وتطلبت إعادة برمجة النضال الفلسطيني، مثلما يقول المفكر والقيادي الفلسطيني خالد الحسن: “إنّ لجوء حركة فتح إلى تبني الاستراتيجية غير المباشرة سببه الرئيس غياب التحالفات والاستراتيجيات الدولية لدى الدول الكبرى، وهو خلل فرض تبني الاستراتيجية غير المباشرة، التي تعني برمجة النضال بتحديد أهدافه المرحلية…”.

مضت خمس وخمسون سنة على تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ومضت ست وعشرون سنة على اتفاقية أوسلو، ولم يزل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي مستمرًا لم يصدر حُكمًا نهائيًا فيه، ولم تزل الحركة الوطنية تواجه عثرات اخفاقها في تحقيق طموحها الوطني، ومأزقها في خياري المقاومة والتسوية السياسية.

في ضوء هذا المشهد، تتولّد في الأذهان أسئلة جوهرية ومستحقة: ما الذي حققته “أوسلو” للفلسطينيين؟ وماذا عن مسار التسوية السياسية، أخفق أم لم يُخفق بعد، أم أن التسوية تعثرت وحسب؟..

إنّ أكثر ما يُسجل لاتفاقية أوسلو- التي أحدثت جدلًا واسعًا وانقسم الرأي حيالها – أنها أسّست لقيام السلطة الفلسطينية التي تدير شؤون الحياة اليومية للسكان في مناطقها؛ لكنها ظلّت اتفاقية مرحليّة ولم تنتقل إلى التفاوض حول قضايا الحل النهائي في العام 1999، وهكذا انقضت عشرون سنة على موعدها دون أن تبدأ، وظلّ الفلسطينيون بلا اتفاق ناجز، وأرضهم تفتقر إلى الوحدة الجغرافية، وتتبع دولة الاحتلال في اقتصادها، ولا تسيطر على مجالها الجوي ومنافذها البرية والبحرية.

لا حاجة هنا للتذكير بأن “إسرائيل” تسببت في فشل “عملية أوسلو” إذ لم تفِ بتعهداتها تجاه الاتفاقية، ولم تعترف بالحقوق الفلسطينية؛ وكرست إجراءات أحادية الجانب من تعزيز للاستيطان؛ وتهويد لمدينة القدس المحتلة؛ واعتداءات يومية ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة وغزة؛ ترقى إلى مستوى العقوبات الجماعية وجرائم الحرب من منظور القانون الدولي الإنساني. ويجوز الاستنتاج- أيضًا- بأنّ انحياز الوسيط الأمريكي لمصلحة “إسرائيل” وتخليه عن الوفاء بالتزاماته تجاه اتفاقية أوسلو، كان سببًا آخرًا وراء تنكر “إسرائيل” لشروط ومتطلبات التسوية السياسية ولمسار “أوسلو” من أوله إلى آخره.

ولقد تعاظم الدور الأمريكي في دعم “إسرائيل” ومساندتها أكثر من ذي قبل مع تولي دونالد ترامب؛ فهو الذي اتفق مع “إسرائيل” على تصفية القضية الفلسطينية خطوة خطوة لا تسويتها كما يقضي بذلك اتفاق أوسلو؛ فأجهز على فكرة استئناف المفاوضات التي تعثرت تعثرًا مزمنًا، وأعفى الحكومة الإسرائيلية من الانصياع لشروط التسوية السياسية، وأوصل مبدأ حل الدولتين إلى طريق مسدود، وفي الإجراءات العملية اعترف بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل” ونقل سفارة بلاده إليها؛ وقطع كامل المساعدات المالية عن “أونروا”؛ وأوقف المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية؛ وأوقف الدعم لمستشفيات القدس؛ وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وذلك كله في سياق فرض مضامين “صفقة القرن”.

اليوم، ثمة إقرار واضح بأن النخبة السياسية الفلسطينية، الرسمية والحزبية، غير راضية عن مآل مشروع التسوية السياسية، لكنها بلا خيارات ولا تملك مشروعًا بديلًا.. فـ (80%) من أعضاء النخبة يقرون بأنّ المفاوضات لم تعد ذات جدوى وطنية، و(72%) يؤيدون إنهاء اتفاقيات أوسلو، وفق ما أظهرته دراسة حديثة عن توجهات النخبة السياسية الفلسطينية نحو الصراع العربي- الإسرائيلي، أعدها كاتب هذه المقالة.

ويمكن فهم الحيرة الماثلة في توجهات النخبة السياسية الفلسطينية تجاه قضية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وعدم القدرة على صوغ مواقف وتبني إجراءات عملية من حالة الانسداد وضعف الخيارات واضطرابها، ولا يحتاج المراقب إلى كثير من العناء ليرصد واقع التكبيل الذي تعانيه النخبة الرسمية.. عليه فقط أن يسترجع قرارات المجلس المركزي في يناير 2018، وقرار الرئيس الفلسطيني في يوليو 2019، بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع “إسرائيل”، وهي قرارات أيدتها الفصائل الفلسطينية، وتحتاج إلى خطوات تالية من الإجراءات العملية وآليات التنفيذ.

لكن السؤال الكبير دائمًا: هل المستوى القيادي الفلسطيني راغبًا في إعلان فشل “مسار أوسلو”، وقادرًا على تنفيذ قراراته، أم أنه سينتظر تنفيذ “نتنياهو” لتهديداته بفرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت في حال أُعيد انتخابه في 17  سبتمبر الحالي؟.. من يدري؟ علَّ الأيام تثبت ذلك أو تنفيه.