د.علاء أبوعامر يكتب: الفايروس القاتل وأمنيات الخلاص الغيبية 

د.علاء أبو عامر

مازال فايروس كورونا COVID19 الذي يسميه الأطباء “القاتل غير المرئي” يفتك بمزيد من الأجساد البشرية، ومنذ بداية انتشاره رأى فيه بعض السياسيين مؤامرة، وآخرون اعتبروه خطأ مخبرياً، واعتبره المتشددون من مسلمين ومسيحيين ويهود عقاباً للبشرية على انحلالها الخلقي والابتعاد عن الإيمان، والجشع الرأسمالي، وغضب الله على الحكام والطبقات المتخمة بالمال والسلطة لجورهم وظلمهم.

في المصائب تكثر التحليلات والتفسيرات الغيبية والسياسية، منها ما هو وهم تخيلي ومنها ما هو أيديولوجي يخدم قضية ما أو شعارات وأهداف حزب ما، حيث تصبح المصائب عاملاً أو سلاحاً لنشر الفكر المتخيل بين الناس كتفسير خارق للظاهرة، وفي موضوعنا نرى أن التفسير الغيبي ذهب كعادته بين طريقين، إما أن الوباء غختبار للمؤمنين أو أنه غضب من الله على الكافرين، طبعا كل مؤمن يُفسر من زاويته.

فعندما كان الفيروس القاتل في بؤرته الأولى “ووهان” الصينية، اعتقد مشايخ بعض الحركات الإسلاموية أن الفايروس سلاح الله في الدفاع عن المسلمين الأيغور الذين يتعرضون للاضطهاد الديني في تركستان الصينية.
على سبيل المثال دون الداعية المصري أحمد عيسى المعصراوي (رئيس لجنة مراجعة المصحف الشريف في الأزهر) في صفحته على موقع “تويتر”: بعد أن عزلت الصين أكثر من 5 ملايين مسلم من الإيغور، اليوم العالم كله يعزل الصين بسبب انتشار وباء كورونا القاتل بين الصينيين وخوفا من انتشار العدوى. (وما ربك بظلام للعبيد). وعندما انتشر الوباء في أوروبا وخصوصا إيطاليا اعتبروه عقاباً لإيطاليا وأوروبا على حملاتها الصليبية في القرون الوسطى على المسلمين.
لكن عندما تفشى الفيروس في بلاد المسلمين وأدى إلى إغلاق الحرم المكي ومسجد الرسول والمسجد الأقصى وباقي المساجد في العالم الإسلامي أصبح شعار هؤلاء “ماذا فعلنا يا الله لتغلق مساجدنا”؟!
ونتظر سلطات بعض الدول الإسلامية فتوى من مرجعياتها الدينية حول إمكانية ابطال صيام شهر رمضان الفضيل إذ أن العطش مأوى لتكاثر فايروس كورونا حيث أشار إلى ذلك الأطباء وخبراء الأوبئة، أن الفايروس يعيش ويتكاثر في الحلق الجاف، وربما تتخذ المرجعيات الدينية خياراً وسطاً بعدم الغاء الصيام ولكن مع السماح بشرب الماء، والاكتفاء بالصوم عن الطعام وغيره من الشهوات، وفي ذلك رحمة للمؤمنين دون إبطال هذه الشعيرة الهامة من شعائر الإسلام.

لقد تعالت صيحات الكثير من المسلمين وكتبوا منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تلهج بالدعاء إلى الله بقولهم “اللهم إن هذا المرض جند من جنودك تصيب به من تشاء و تصرفه عمن تشاء اللهم اصرفه عنا وعن بيوتنا وعن أهلينا و بلادنا و عن بلاد المسلمين و قنا ونجنا من البلاء برحمتك”.

وفي فيديو بثه على حسابه في موقع “فيسبوك” قال الداعية التونسي المقيم في فرنسا، بشير بن حسن: فيروس كورونا هو جُند من جنود الله، فاليوم يتساقط الناس بسببه كأنهم حشرات. هم (السلطات الصينية) حاصروا مليون مسلم فإذا بهم محاصرون بأكثر من خمسين مليون شخص بسبب هذا الفيروس، الذي يجتاحهم ولا يجدون له دواء لأنه أمر الله الذي لا راد لحكمه. (ولله جنود السماوات والأرض)، فالله عنده جنود منهم الملائكة والفيروسات والمصائب، وإذا أراد أن يسلطها على ظالم فلن يرده شيء في الأرض ولا في السماء، حيث دمر قوم عاد بالريح وثمود بالصيحة وأغرق قوم فرعون بالماء، وهو الآن ينصر الإيغور ضد السلطات الصينية الظالمة بفيروس كورونا”.

ولم يقتصر الأمر على هذا الشيخ فقد شاهدت العديد من فيديوهات الدعاة الإسلاميين التي تؤكد قول الشيخ أن فايروس كورونا جندي من جنود الله أرسله الله عقابا لبعض البشرية.

وبظني وهو ما أكد عليه بيان للأزهر الشريف لا يصح وصف الفايروس أنه جندي من جنود الله؟ حيث يمكن أن يكون الفايروس شيطانا، أي أداة من أدوات الشر صنعه أحدهم مخبريا؟ صنعته دولة أو جهاز مخابرات؟ أو عصابة إجرامية؟ وسيمكن الله البشرية من القضاء عليه؟

ويبقى السؤال: كيف عرف هؤلاء الشيوخ أو من هم على هداهم أن الفايروس جندي من جنود الله، هل استنطقوه؟ حيث أن ذلك مستحيل المعرفة بالمطلق، إذ أنه جل في علاه يجزم في التنزيل الحكيم أن جنوده لا يمكن لأحد معرفتهم ( وما يعلم جنود ربك إلا هو )(المدثر) كيف إذاً لبشر أن يتنبأ أو أن يعرف أن الفايروس جندي أو غير جندي من جنود الله؟ أليس في ذلك تعد على جزمه القطعي عز وجل؟! وهرطقة دينية تصل حد الكفر وتقويل الله مالم يقل؟

ثانياً أنه عزوجل يجزم أيضاً أن جنوده لا يغلبون بل دائماً منصورون (وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ١٧٣) (الصافات) وعليه إذا كان الفايروس جنديا من جنود الله فلا يمكن أن ينتصر عليه العلماء ولن تنجح البشرية في مقاومته وسيتسبب الفايروس في فنائها، وهذا بالتأكيد ليس كذلك فقد انتصرت البشرية على العديد من الفايروسات وغلبتها وقضت عليها.

وعليه فإن هؤلاء الذين يريدون بجهلهم أو ظنهم أن يعلوا من قدر الله أمام البشر، فإن تفسيراتهم وأقوالهم فيها تجني على الله وتقليل من قدرته ومن جنوده ويجعلون منه قاتلا مجرماً يتسلط على الضعفاء والمرضى والفقراء بينما يترك الفاسدين والمتخلفين ينجون بأفعالهم! ومن عبد الله على جهل كأنما عصاه.

الموتى اليوم أغلبهم من كبار السن والأطباء والممرضين؟ هل هؤلاء هم اعداء الله؟!

تفسير المصائب والأوبئة بأنها نصر للمؤمنين على الكافرين من منظور الجماعات المتشددة دينياً، والتي ترى في الطقوس المظهرية شفاء للقلوب وقوة في مواجهة الأخطار، على حساب العقل هو أمر عابر للزمان، وقد تكرر في كل الأوقات، كل الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وأوبئة، وسيول وفيضانات، وعواصف، كلها في عرفهم جنود الله يستخدمها لتدمير العالم الفاسد وإنشاء عالم جديد طاهر نقي مكان السابق البائد، وفي كل الأحوال حتى لو سقط ضحايا من هؤلاء فإنها مشيئة الله، والله أدرى بقلوب العباد وإيمانهم، وبالطبع فإن السير خلف هذه الايمانيات يعني عدم الالتزام بإجراءات الوقاية، ويعني تفشي الوباء لأنه قدر الله على عباده وأعدائهم. لذلك هؤلاء لا يعترفون بالسلطات الحاكمة ولا بقوانينها الوضعية، فكل ما يحدث مقدر، ولن يموت إنسان ناقصا عمر!

في منتصف الشهر الماضي، ومع بداية انتشار الفيروس المستجدّ في إيران، ظهرت على مواقع التواصل فيديوهات لزوّار يلعقون الأضرحة المقدسة في مدينتي قم ومشهد، في تحدٍّ صريح لقرار السلطات الإيرانية للحد من انتشار الوباء؛ ما أدّى إلى إعتقال بعضهم.

والأمر لا يقتصر على المسلمين، بل وكذلك على المتدينين اليهود ممن يوصفون بالحريديم أي المتزمتين، فهؤلاء أيضاً وعلى رأسهم وزير الصحة الصهيوني، اعتبروا انتشار الفايروس الذي يفتك بالعديد من الشعوب مقدمة لظهور المسيح اليهودي، المسيح ابن داود.

وقد حاول بعض الحاخامات إيجاد تفسيرات دينية للفيروس المستجد في مقاطع فيديو نشروها عبر الشبكة العنكبوتية. وقال الحاخام زامير كوهين الذي يخضع للحجر الصحي “الفيروس نتيجة طبيعية لأن غير اليهود يأكلون أي شيء”. وطرح الحاخام مئير معزوز تفسيرا آخر يتعلق بالشذوذ الجنسي إذ يرى “أن الله ينتقم من الشخص الذي يقدم على أفعال غير طبيعية”.

وذهب الحاخام الناطق بالفرنسية المتشدد رون تشابا بعيدا معتبرا الوباء “علامة على ظهور السيد المسيح اليهودي وهو غير ابن مريم”. مؤكداً بقوله إن “جميع العلامات التي تحذر من مجيء المسيح أصبحت ظاهرة للعيان الآن ومتوفرة، من المأساة أن نظل غير مبالين”.

وفي لبنان أرسلت شابة قالت بأنها رأت في المنام مار شربل يطلب منها تقديم الماء والتراب الى مرضى الكورونا، وأثيرت بعدها زوبعة واسعة على السوشيال ميديا، وحملات اتهامية متبادلة بين ساخر من دور القديسين في الشفاء من الفيروس المستجد، وبين مدافع شرس عن الدين ودوره في إنهاء الكورونا. وقد رفض المشفى استلام التراب.

وارتفع صراخ المصلّين في إحدى الكنائس اللبنانية، احتجاجاً قبل أيام، حين أصرّ الكاهن على عدم أداء طقس مناولة القربان كالمعتاد. وفي مصر أشار الأنبا رفائيل من دون دليل تاريخي أو مادي، إلى أنه “في أثناء انتشار أوبئة مثل الكوليرا والطاعون لم نسمع في كل تاريخ الكنيسة أن أشخاصاً ماتوا نتيجة تناول جسد ودم الرب”.

في المقابل يسعى العلماء لإيجاد لقاح، وتحاول الدول حماية رعاياها من خلال إجراءات مشددة للحجر الصحي كي تمنع تفشي الوباء، وتحافظ على إمكانياتها الصحية التي لم تكن معدة سلفاً لهكذا ظروف.
والغريب أن بعضهم في أوروبا وأمريكا أشاد بمقولات تنسب للرسول محمد (ص) حول الإجراءات الوقائية للنجاة من الوباء، وكذلك تستذكر مقولات عمرو بن العاص، وأخرى للعالم المسلم ابن سينا، بينما بعض المتأسلمين المظهريين والحركيين استمروا بخرق الحظر بالتجمع للصلاة أمام المساجد وفي الشوارع وعلى الأسطح، وغيرها في ظاهرة غريبة المقصود منها تحدي السلطات وإثبات الوجود السياسي على حساب صحة المجتمع!

كورونا اربك حسابات المتدينين وغيبياتهم وكذلك حسابات السياسيين واستراتيجياتهم، هناك عالم سيتشكل بعد انحسار الوباء، عالم مختلف عن عالم ما قبله، عالم متعدد الأقطاب أبرزها القطب الصيني الذي سيتصدر قائمة الدول الأكثر استفادة مما حصل، فأوروبا الموحدة قد لا تعد موحدة كما كانت، والولايات المتحدة قد تعيش بدايات أزمنة ما قبل التفكك،أما باقي العالم فسيهتم بملف الصحة ويجعله بالمقدمة، سيصبح الأطباء هم درة تاج المجتمعات البشرية، وسيتوارى دعاة وحاخامات وكهنة الخرافات إلى الوراء.

*مفكر وباحث فلسطيني