د.علاء أبوعامر يكتب: حماس والجهاد.. صراع الأجندات المستترة ظهر على السطح؟

 

قد يبدو الأمر مفاجئاً للناس العاديين أن تترك حماس حليفتها حركة الحهاد الإسلامي في فلسطين تقاتل وحدها في ميدان المعركة العدو المشترك لكل الفلسطينيين كيان الصهاينة، لكن في الحقيقة هذا التطور الذي كشفته المعركة الأخيرة، كان تطوراً طبيعياً كان لابد سيحدُث إن عاجلاً أم أجلاً، خصوصا في معركة ليست في مصلحة حركة حماس واستراتيجياتها في الحكم أولمصلحة حلفائها (التنظيم الدولي أو إيران)،
وهذا ما فات حركة الجهاد الإسلامي وجعلها تتعامل بثقة مع حليفتها الإخوانية طيلة هذه السنوات أي منذ الإنقلاب أو الحسم العسكري عام ٢٠٠٧، وهذا يعود ربما إلى أن طبيعة المعارك التي خاضتها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة طيلة الـ 12 سنة الماضية، وهي ثلاثة حروب (٢٠٠٨ و ٢٠١٢ و٢٠١٤) بالإضافة لبعض المناوشات القتالية الصغيرة، التي كانت تستمر لساعات أو أيام قليلة منخفضة التصعيد، كانت أغلبها معارك فرضها الصهاينة المحتلون على قطاع غزة، وكان من البديهي أن يتصدى لهم الجميع دون استثناء، فهي معركة وجود، أو بادرت إليها حماس في رد على اغتيال أحد قادتها البارزين.

الخلاف لا يقف عند العمل المسلح وضروراته وتكتيكاته، بل يمتد إلى القناعات السياسية والإيديولوجية وطبيعة التحالفات، فطبيعة حركة الجهاد الإسلامي هي طبيعة غير أيديولوجية، ورغم المسمى الديني الغالب على الحركة إلا أنها لا ترتبط بحركة عالمية كما هي حماس التي هي الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين العالمية ذات الإيديولوجية الشمولية، والتي لاترى في فلسطين سوى مسواك أسنان لا أكثر (بحسب الشيخ محمود الزهار) حيث أن الجهاد الإسلامي تأخذ من تعاليم الإسلام نبراساً وسلوكاً فقط في تعاملها مع فلسطين بصفتها أرض وقف إسلامية مقدسة وجب تحريرها، لايوجد لحركة الجهاد فروع أخرى قومية أو عالمية ولا تعتنق إيديولوجية معينة رغم الحديث عن تشيع بعض أعضائها، إلا أن تلك حالات فردية إن وجدت، ولا تسعى الحركة لأهداف خارج فلسطين ولم يسجل تدخلها في شأن داخلي عربي، لكن ما يؤخذ عليها ربما أنها تخضع في بعض الأحيان وربما في كلها لممولها ومُسلحها وراعيها الإيراني، ولكنها لا تجد في ذلك غضاضة طالما أن الهدف قتال العدو المشترك كيان الصهاينة.
رفضت حركة الجهاد خطط التسوية كافة، ورفضت المشاركة في إفرازات اتفاق إعلان المبادئ في أوسلو، كالسلطة التنفيذية أي حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية، أو المجلس التشريعي،وذلك بعكس (حليفتها) حركة حماس التي شاركت بها جميعاً بل وطرحت حماس خططاً للتسوية منذ نشأتها عام ١٩٨٧ ابتداءً من مقترح الهدنة الطويلة مقابل دولة في حدود عام ١٩٦٧ وانتهاءً بالوثيقة السياسية عام ٢٠١٧ التي قبلت فيها حل النزاع سلمياً وبدولة على حدود عام ١٩٦٧.

ورغم الاختلاف الواضح في الرؤية السياسية بين التنظيمين، حيث يرى أحدهما أن المقاومة لا تتعارض مع الحكم والاشتراك بعملية السلام وقيام الإمارة يرى الجهاد الإسلامي أن كل ذلك لاجدوى منه، وأن التركيز يجب أن يكون على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ووحدة فصائل المقاومة بهدف التحرير الكامل للأرض التقت الحركتان على مبدأ اللقاء في أرض المعركة وتركت الخلافات الكبرى في الرؤى جانباً.

كانت معركة غزة الأخيرة ربما المعركة الوحيدة التي خاضها الجهاد الإسلامي كمعركة تخصه، وجاءت رداً على اغتيال الصهاينة لقائد عسكري هام للجهاد الإسلامي في قطاع غزة (بهاء أبو العطا)، الذي اعتُبر متمرداً على تعليمات غرفة حماس للعمليات المشتركة، وصنف كعدو رقم واحد كما قاسم سليماني وحسن نصر الله، ومحاولة اغتيال قائده في دمشق عضو المكتب السياسي للجهاد الإسلامي أكرم العجوري والتي أدت لاغتيال نجله.
عبر الإعلام الصهيوني منذ اللحظات الأولى للاغتيال عن سعادته بتطمينات حركة حماس لقادة الاحتلال بأن حماس خارج هذه المعركة ولا تعنيها، وأن كيان الاحتلال تسلم رسالة من الوسيط المصري تفيد بذلك، و إعلام حماس التزم الصمت، ومجريات المعركة أكدت الأنباء الصادرة عن وسائل إعلام العدو.
بل أن قائد حركة الجهاد الإسلامي الجديد زياد النخالة أشار إلى خذلان حماس لحركة الجهاد، عندها أصبحت الأمور مكشوفة دون غطاء وازداد التوتر مع طرد ناشطين من حركة الجهاد أحد قادة حماس البارزين من سرداق عزاء الشهيد أبو العطا في حي الشجاعية شرق قطاع غزة.
لماذا خذلت حماس الجهاد الإسلامي؟
تحليلات كثيرة خرجت من غزة توضح ما حدث وكلها تصب في أن أبو العطا المناضل الجهادي كان متمرداً على قرارات حماس ورافضاً كما قيادة الجهاد في الخارج لتكتيكات حماس السياسية من خلال تفاهمات الهدنة مع الاحتلال وإدخال الأموال القطرية لها عبر كيان الصهاينة، لذلك كان اغتياله حسب مصادر صهيونية وفلسطينية مصلحة مشتركة لحركة حماس وقادة العدو، وهذا الموقف عبر عنه زياد النخالة صراحة في مقابلته التلفزيونية أثناء المعركة.
في نهاية المطاف التوقعات أن تزاد الخلافات في داخل حركة الجهاد الإسلامي بين داخل وخارج بين جناح عسكري وجناح سياسي في غزة عبر عنه محمد الهندي وخالد البطش القياديان في الجهاد الإسلامي المقربان من الحركة الإخوانية بإشادتهما بحركة حماس، وأن موقفها كان على صواب وضمن اتفاق.
يقال في المثل الفلسطيني أن الشمس لا تغطى بغربال، وأن المستقبل كفيل بكشف كل المستور، لكن ما يمكن استنتاجه أن شرخاً كبيراً قد حدث وأن طريق حماس للوصول الى الحكم يفترق مع طريق الجهاد الساعي إلى التحرير وأن طريق الإخوان غير طريق إيران، وأن حلفاء حماس من تنظيم دولي للإخوان وتركيا وقطر لا تتقاطع طرقهم وأهدافهم دوماً مع أهداف إيران ومصالحها واستراتيجياتها كما حدث في سوريا سابقاً وفي غزة أخيراً، هناك اختلاف لكن لن يصل إلى حد الصدام المسلح طالما ظلت حماس تحصل على التمويل والتسليح من إيران، وطالما ظلت إيران ترى في حماس حليفا لابد منه في المنطقة بغض النظر عن عدم الثقة المتبادلة بينهما في الأهداف النهائية لكل منهما.

*مفكر وباحث فلسطيني