د.علاء أبوعامر يكتب: صفقة بلا بائع أومشتري

بعد فشل (بنيامين نتنياهو) رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية وزعيم حزب الليكود في تشكيل حكومة جديدة بسبب تعنت (أفيغدور ليبرمان)زعيم حزب “إسرائيل بيتنا”،  واشتراطه للاشتراك في الائتلاف الحكومي، تغيير شروط تجنيد اليهود الأرثوذكس(الحريديم)، يمكننا القول أن حياةَ نتنياهو السياسية باتت على المِحك،حيث  تلقى نتنياهو ضربة سياسية موجعة، إذ من المتوقع أن يواجه في الشهور المقبلة اتهمات بالاحتيال وتلقي رشاوي،كما يواجه اتهمات أيضاً بمحاولة الحصول على حصانة من التقاضي، حيث ثارت مزاعم بأنه تلقى هدايا من رجال أعمال أثرياء وقدم مميزات للبعض في محاولة للحصول على تغطية صحفية إيجابية، وينفي نتنياهو الاتهامات الموجهة له،ورغم نفيه، إلا أن محاولته  في الحصول على الحصانة القضائية دليلٌ على أن هناك مايُدينه…
الذهاب لانتخابات برلمانية جديدة يعني الانتظار تسعين يوماً قادمة، أي حتى شهر أيلول/سبتمبر وهو ما يعني تأجيل جديد لإعلان ما يسمى بصفقة القرن الترامبية غير واضحة المعالم سوى ما منحه ترامب للصهاينة (القدس، والجولان، وتهميش منظمة التحرير، ومحاولة الغاء الأونروا، وتحجيم قضية  اللاجئين بغية الغاءها)….
تطاردُ نتنياهو المدعوم من اللوبي الصهيوني اليهومسيحي في أمريكا، وبالتالي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  ملفات فساد،وإصراره  الذهاب إلى انتخابات جديدة بعد تسعين يوماً هو بمثابة هروب إلى الأمام كي يُفشل تكليف الرئيس ريفلين لزعيم تكتل أبيض أزرق ( الجنرال بيني غانتس) زعيم الكتلة الثانية من حيث العدد في الكنيست….لكن هنا يُطرح سؤالٌ هل ما حصل هو لعبة إسرائيلية داخلية  أقطابها ليبرمان نتنياهو؟ الهدف منها إلغاء خطة ترامب للتسوية  أو مايسمى (صفقة القرن)؟
البعضُ يطرحُ هذا السيناريو مرتكزاً في فرضيته هذه على أن نتنياهو وبالتالي دولته حصلت من الإدارة الأمريكية على كل ما يخُص إسرائيل من الصفقة وهي مواقف اليمين الصهيوني الثابتة قبل ترامب،وهذا يكفيها عملياً،وهي بالتالي غير معنية بسماع الشق الفلسطيني منها، أي أنها غير معنية بإعلان الصفقة ضمن أي منصة إقليمية أودولية، والرفض الفلسطيني المُسبق لها يُريحها من الرفض، إذا أي (مكاسب) أو حقوق دُنيا تُمنح للفلسطينيين هي مرفوضة من جانب هذا التكتل اليمني المتطرف، والذي مهما كان قليلاً إلا أنه لا يُناسب اليمين الصهيوني، والذي رجحت بعض التقارير الصحفية العبرية أن بعضاً منها قد يحمل في طياته انسحاباً إسرائيلياً من أجزاءٍ كبيرةٍ من الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة….
لكن مع وجاهة هذا الطرح الذي يبدو معقولاً من حيث المنطق،إلا أن ذلك يعترضهُ حقيقة أن نتنياهو والذي هو بطبعه شخصية نرجسية أنانية، لا يُلقي بمستقبله السياسي بل والشخصي في أتون نار الاحتمالات التي قد تؤدي إلى نبش قضيته لدى النيابة العامة الإسرائيلية وإرسالها إلى القضاء، وكذلك فقد يكون مصيره في الانتخابات القادمة غير ما كانت عليه في الجولة الأخيرة التي فاز فيها حزبه بخمسة وثلاثين مقعد كأكبر كتلة برلمانية في الكنيست، هذا بالإضافة إلى أن الفلسطينيين شعباً وقيادةً وفصائلَ قد أعفوه من الرفض، برفضهم هم للصفقة مسبقاً،وكذلك هو موقف أغلب العرب والمسلمين والمجتمع الدولي….
والذهاب إلى انتخابات يعني تأجيل إعلان الصفقة التي أُجلت قبل ذلك عدة مرات إلى أجلٍ غير مسمى، أدناه إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في شهر أيلول القادم، لكن هذا أيضاً ليس موعداً متاحاً أيضاً، إذ بعد شهرين من ذلك ، تبدأ حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مما يعني إرجاء الصفقة أو إلغاؤها….وعليه في ظني أن صفقة القرن قد سقطت في ظل عدم وجود بائع ومشتري، هذا قبل أن تلفظها الأمة العربية و الإسلامية في قمتيهما الآخيرتين في مكة، لكن الحقيقة الباقية والتي لم تسقطْ بعد هي الانحياز الأمريكي الفظ إلى جانب الاحتلال، وهذا يُشكل مُعضلة تحتاج إلى حل….
على مايبدو أن هذا الحل الآن غير متوفر،ويحتاجُ من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أحد  من أمرين أو خيارين، _الأول يتمثل في الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، كما طالب بذلك وزير الخارجية السابق في عهد الرئيس( أوباما جون كيري) ، الذي يتوقع فوز الديمقراطيين أي مرشحهم للرئاسة،وبالتالي العودة إلى السياسة الأمريكية التقليدية تجاه صراع الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، وربما يؤدي ذلك إلى إطلاق عملية سياسية تكون أكثر إنصافاً مبنية على قرارت الشرعية الدولية ضمن الحد المقبول فلسطينياً
_الثاني: هو قلب الطاولة على رأس المُحتل وحماته بنضالٍ شعبي وإجراءات خروج من الاتفاقات معه، وجعل العالم  يهرع كعادته إلينا، لإنقاذه من ورطته كما يفعل دائما عندما يقع الآخير في مأزق أفعاله، طالباً من الفلسطينيين الصبر، و مبادراً بتقديم المساعدة  في ترميم أخطاء المحتل تجاهنا،لكن في هذه المرة يجب ألا يتوقف النضال  اللاعنفي إلا عندما تتحقق شروط وقف الاحتجاجات وهي العودة إلى أسس عملية التسوية كما أقرتها الشرعية الدولية دون انتقاص….
بقي القول هنا أن موقف العرب ومن خلفهم المسلمين في قممهم هام بل هام جداً، لكنهم في مواقفهم الفردية يحبطون آمال الشعب الفلسطيني، إذ أنها تدعو إلى الريبة والتشاؤم بل والاستنكار خصوصاً موافقة البعض منهم على الذهاب إلى ورشة المنامة الأمريكية في مملكة البحرين، رغم الرفض الفلسطيني والشعبي لها، وكذلك رغمَ الموقف الجماعي العربي والإسلامي،كونها إحدى مكونات صفقة القرن، فإذا كانت الصفقة بمعالمها السياسية التي باتت معلنة مرفوضة ، من هذه الأبعاد الثلاثة الفلسطينية والعربية والإسلامية، بل والأغلب الدولية، إذن لماذا على بعض العرب الإذعان لمطالب الترويكا الصهيونية المحيطة بترامب؟
لماذا على بعض العرب الذين يواجهون النفوذ والتمدد الإيراني منحهُ ورقة قوة في مواجهتهم، بنعتهم بخونة القضية؟..
من الأفضل إلغاء اللقاء والاعتذار عنه، فالصفقة ولدت ميتة،ولم يبقَ إلا أن تُدفن، لذلك يجب على ذلك البعض العربي إطلاق رصاصة الرحمة عليها، وإعلان موتها النهائي، بدلا من منحها أملاً  في غرفة إنعاشٍ على سريره….
*باحث ومفكر عربي في العلاقات الدولية