د.علاء أبوعامر يكتب: عبث صفقة القرن.. صبي قهوة بدلا من «اللوحة الخضراء»..!

 

سارعت قيادات فلسطينية (من بينها السيدة حنان عشراوي عن منظمة التحرير الفلسطينية وباسم نعيم عن حماس) بالاستنتاج أن استقالة جيسون غرينبلات (غرين بلات يعني لوحة خضراء) المستوطن الصهيوني الإسرائيلي – الأمريكي الجنسية، ومبعوث ترامب لعملية التسوية في الشرق الأوسط، وأحد ثلاثة صهاينة بالإضافة إلى جاريد كوشنير و ديفيد فريدمان كلفوا بصياغة خطة تسوية عُرفت باسم (صفقة القرن)، تعبيراً عن فشل إدارة ترامب في تسويق خطتها وافكارها عربياً وعالمياً.

لكن هذا الاستنتاج على ما يبدو ليس في محله، فالخطة الأمريكية ليست خطة شخص بل خطة إدارة وهي خطة يتبناها التيار المسيحي الصهيوني المتطرف في الإدارة الأمريكية الحالية، وربما قيادات هذا التيار وقواعده في الحزب الجمهوري عامة، والخطة رغم أنها لم تُعلن كمبادرة متكاملة من خلال بنود مكتوبة إلا أن أجزاءً منها قد طُبقت فعلياً قبل أن تُعلن على الورق وكانت تلك التطبيقات العملية سبباً في قطع العلاقات الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية الحالية. لذلك القول أن استقالة غرينبلات هي تعبير عن فشل الخطة، ليس إلا مجرد أوهام أومجرد أمنيات فلسطينية وعربية، كون ما طُبق أصبح من الماضي الذي يصعُب التراجع عنه.

لقد جاء تعيين آفي بيركوفيتش ذي الثلاثين عاماً خلفاً لغرينبلات بشكل سريع، وهوالمستشار في البيت الأبيض، وخريج كلية الحقوق من هارفارد، والساعد الأيمن لكوشنير، لجعل ملف الصفقة كاملاً بين يدي صهر الرئيس الذي لا يقل صهيونيةً عن غرينبلات بل ربما يتفوق عليه وذلك كان ظاهراً في تصريحاته العلنية.

إن استبدال صهيوني بصهيوني آخر لا يعتبر من مؤشرات الفشل بل من مؤشرات الإصرار على الاستمرار، لكن بسقف أقل حتى مما كان سيكون، وهو لاشيء ذي قيمة وسيبقى لاشيء ذا قيمة.

ربما خسارة دونالد ترامب للانتخابات الرئاسية القادمة ومجيء رئيس ديمقراطي سيغير من مواقف الولايات المتحدة الأمريكية، ويعيدها إلى تبني قرارات الشرعية الدولية ولو ظاهرياً، اقل ظاهرياً بمعنى شكلياً لا مضموناً وجوهراً ، كون التاريخ القريب أثبتت أن إدارات أمريكا جمهورية كانت أم ديمقراطيه هي أمريكا الصهيونية المؤيدة بالمُطلق لإسرائيل، وكما قال دونالد ترامب نفسه فإن الكونغرس اتخذ قراراً سابقاً لم يجرؤ من سبقوه على تفعيله بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس خوفاً من رد فعل العالمين العربي والإسلامي، لكنه هو قد فعل حيث لم يعد ذلك العالم بقادر على رد الفعل المتوقع، وهو يشير بذلك إلى تشريع سفارة القدس لعام 1995 (بالإنجليزية: Jerusalem Embassy Act of 1995) وهو تشريع أقرّه الكونغرس الأمريكي في دورته رقم 104 في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 1995، حيث يُعبّر بصراحة عن رغبة الولايات المتحدة بنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس بدلاً من تل أبيب، والاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة للصهيونية، وذلك في موعد أقصاه أيار/ مايو 1999.

ترامب الذي إن نجح أوفشل في الانتخابات القادمة، فعلَ أمراً متفقًا عليه أمريكياً، يتمثل بقرار الكونغرس الذي كان يتم تأجيله كل ستة أشهر، وقرار آخر مشابه يتمثل باعتبار منظمة التحرير منظمة أرهابية. إذاً ترامب أظهر الحقائق التي تعتمدها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لا إدارته وحسب لذلك لا تغيير حقيقي قادم، حتى لوجاءت للحكم إدارة أمريكية ديمقراطية، فلن تستطيع إدارة جديدة الغاء نقل السفارة إلى القدس.

لم تبتعد التعليقات على استقالة غرينبلات في الأوساط الصهيونية داخل كيان الاحتلال عن رؤيتنا بأن تغييراً حقيقياً لن يتم، ففي تقرير لقناة كان التلفزيونية تم تبريراستقالة غرينبلات أنها جاءت بسبب تأجيل طرح خطة السلام الأمريكية المعروفة بـ”صفقة القرن”، منوهة بأن “الاستقالة تأتي في تطور درامي على الساحة السياسية وذلك قبل أقل من أسبوعين على انتخابات الكنيست الإسرائيلي”.

بينما نوهت صحيفة معاريف الصهيونية، إلى أن تعيين بركوفيتش “أثار العديد من الأسئلة بين الدبلوماسيين السابقين الذين وجدوا صعوبة في فهم كيفية وضع هذه المهمة على عاتق خريج جامعي شاب يتخذ خطواته الأولى في عالم السياسة”.

وزاد الأمر تسخيفاً ما أوضحته هوب هيكس، المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض في2017 أن “دور بيركوفيتش في الإدارة الأمريكية كان إداريا ولوجستيا في المقام الأول، وكان يتضمن التنسيق في الغالب للاجتماعات” وقد شمل مساعدة كوشنر في تقديم الخدمات اللوجستية اليومية، مثل الحصول على القهوة أو تنسيق الاجتماعات.

خلاصة القول أن هذه الاستقالة وما تلاها من تعيين يدل على أن الإدارة الامريكية لا تعير كبير أهتمام للقضية الفلسطينية بل تتعامل معها باستهار شديد، فقد استبدلت صهيوني من هواة السياسة بصهيوني أخر من صبيان السياسة.

وربما أقرب وصف لما حصل من استبدال شخص بشخص آخر، هو ما تحدث به مارتن إنديك، المبعوث الأمريكي الخاص للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، حيث قال أن اختيار بيركوفيتش “علامة على أنه تم تخفيض هذا الموقع”، وقال إنديك على موقع تويتر:” رجل لطيف ولكنه لا يتمتع بثقل او خبرة.

وهذا يعني أن ملف معقد كقضية فلسطين لم يستطع أمهر الساسة الأمريكيين حل عقده خلال سبعين سنة مضت، يتم القاءها في حجر صبي القهوة بركوفيتش ذو الأصل الروسي!

يحق للبعض أن يحلم بتغيير قادم ، فالفلسطيني يعيش منذ بداية النكبة على الأمل لكن الأمل دون فعل لن يتحقق في عالم السياسة ومع عدو أيديولوجي تقف خلفه قوى عظمى تتبارى في حمايته والحفاظ عليه بما يمثله من كنز استراتيجي.وكما قال نتنياهو رئيس وزراء حكومة الاحتلال السلام صعب التحقيق، لكن التطبيع مع العرب ممكن وهذا بيت القصيد من كل الخطة والحركة الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط.

على المتفائلين الفلسطينيين بفشل صفقة القرن إنهاء الملف الأخطر من صفقة القرن على قضيتهم وهو ملف الانقسام، مع إنهاء الانقسام يبدأ الأمل وليس قبل ذلك. استمرار الانقسام هو الجريمة الكبرى بحق الشعب الفلسطيني الذي يستحق واقعاً أفضل مما هو فيه، فقد قدم التضحيات الجسام لينال الحرية والاستقلال لا ليصبح مرهوناً لإرادة تنظيمات الإيديولوجيا والمصالح.

*مفكر وباحث فلسطيني