د.علاء أبوعامر يكتب: لن يقبل الفلسطيني حياة العبيد ولن يستسلم

د.علاء أبو عامر

رفضت القيادة الفلسطينية الخطة الأمريكو صهيونية،لأنها لا تلبي الحد الأدنى المطلوب فلسطينياً، فما ورد فيها لا يمنح الشعب الفلسطيني دولة، حتى لو ذُكرت الكلمة في متنها عشرات المرات، فهي بلا معنى، إذ لا سيادة فيها على أي شيء مما تسميه الخطة دولة.والغت حق العودة للاجئين الفلسطينين، وأخرجت القدس من الحل سلفاً.

المضحك المبكي في الخطة هي شروط تنفيذها، فهي تشترط لبدء التفاوض حولها ما يعني أن تقبل السلطة تنازل الشعب الفلسطيني وقيادته عن الكرامة الوطنية، وتقبل بالعبودية، والتمييز العنصري، وهو من شيم العبيد والعملاء الصغار ذوي الأجر المحدود ولا يليق بشعب حر كالشعب الفلسطيني.

المطلوب بحسب الخطة أن يستسلم الشعب الفلسطيني ويقر بالهزيمة الكاملة، أن يتخلى عن ابسط حقوقه.

السلام الذي ينشده الصهاينة وحلفاؤهم هو الاستسلام الفلسطيني وإقرار هذا الشعب الأصيل في أرضه أن أرض أجداده ليست له وأن فلسطين ليست وطنهِ.

الاستسلام ليس عبارة مستترة في المضمون، بل عبارة علنية مقصودة وصريحة، عبرت عنها بعض اللوحات التي وضعت قبل أيام في شوارع بعض مدن الداخل الفلسطيني المحتل عام ١٩٤٨، بينها “تل أبيب- يافا” ، تُظهر هذه اللوحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن) وزعيم “حماس” اسماعيل هنية جاثيين على ركبهما معصوبي العيون، وقد كتب أعلى اللوحة عبارة “السلام لا يصنع إلا مع المهزومين”.

هذه العبارة تدل على أن الخطة الأمريكية وإقرار الصهاينة المسيحيين بقيادة ترامب- بنيس وفريقهما بمرسوم رئاسي أو بقرار من الكونغرس أو بحفنة رجال أعمال يتاجرون في العقارات يعتبرون إعلانهم هزيمة للعرب والمسلمين وأنهم هم سادة العالم وهم من يقررون مصير الشعب الفلسطيني، ومصير أرضه ومستقبله! بل ومصير العرب ومستقبلهم!

ليست العبارة جديدة، فقد قالها مندوب الصهاينة في الأمم المتحدة “داني دانون” قبل ذلك بعام ونيف تحديداً في شهر يونيو ٢٠١٩ ضمن مقال له في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بعنوان” ما العيب أن يستسلم الفلسطينيون” وأضاف دانون ما نصه “يصف القادة الفلسطينيون الخطة الأمريكية بمثابة استسلام، وأعلنوا أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولدت ميتة.”.. أتساءل: ما هو العيب في استسلام الفلسطينيين؟”وأضاف “الاستسلام هو الاعتراف أنه في سياق ما فإن الاستمرار سيكون أكثر كلفة من الإذعان”.

جيد أن أهداف العدو باتت معروفة، وهي إستسلام الشعب الفلسطيني أو إذعانه للشروط الإسرائيلية الصهيونية، جيد أن الفلسطيني بدأ يعي أن وهم العدالة الدولية في حدها الأدنى التي راهن عليها منذ عام ١٩٧٤ لم تعد ممكنة، وأن لا راعي أمريكي ولا رعاة آخرين في غيابه لأي عملية تسوية مستقبلية.

منذ نشر الخطة الأمريكية وما قبلها كانت التوقعات أن قيادة السلطة أعدت خطة للمواجهة، حيث تحدث الناطقون باسمها عن زلزال سيضرب المنطقة برمتها إن اختُزلت حقوق الشعب الفلسطيني أو هُمشت.

عُرضت الخطة ومثلت صدمة لكل من شاهد ترامب -نتنياهو وهما يعلنان بنودها، وزادت الصدمة عند نشرها.

ماذا فعلت السلطة؟.. طالبت الأخيرة جماهير الشعب بالنزول إلى الشوارع في المدن الفلسطينية، قليلٌ من استجاب لذلك النداء، بل وصف أحد الصحفيين الذين غطوا منطقة “حاجز بيت إيل” شمال البيرة، استجابة الناس “بشبه المعدومة”.

ولكن يوم الخطاب حشدت فتح مسيرة كبرى في شوارع مدينة رام الله شارك فيها الآلاف تم تجميعهم من مدن مختلفة من شمال الضفة وجنوبها، وهذا يعني أن السلطة إذا أرادت، تستطيع أن تحرك الشارع، لكنها إذا فعلت ستفعل ذلك بحذر خشية من أن تُستغل المسيرات والاحتجاجات من قبل جماعات كحماس وحزب التحرير ونشطاء فتح الرديكاليين المهمشين والناقمين على قيادتهم.

السلطة برئاسة الرئيس محمود عباس (أبومازن) ترفض”العنف والإرهاب” وستقاومه وستلتزم بمحاربته، مع أن القانون الدولي يبيح للشعوب المستعمرة أن تقاوم محتليها بكل الوسائل بما فيها الكفاح المسلح، هذا ما قاله الرئيس عباس بعد نشر الخطة، ورغم تصريحاته بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، إلا أن اثنين من أعضاء مركزية فتح هما توفيق الطيراوي ونبيل أبوردينة نفيا ذلك، وأعلنا أن التنسيق مستمر ولم يتراجع.

وعليه كل التوقعات بانتفاضة ثالثة لم تكن في محلها، لماذا؟

لأن السلطة لا تملك خططاً أخرى غير ما سارت عليه عشرات السنوات الماضية وهو حل الدولتين، ورغم تلاشي هذا الحل واقعياً إلا أنها لا ترى ذلك أبداً بل تراه ما زال ممكناً، وخيارها الكفاحي هو حل مبني على المفاوضات، فقط المفاوضات، والشعار القديم هو الحديث أيضاّ “إذا فشلت المفاوضات سيكون الحل مزيداً من المفاوضات”، هذا الشعار مازال مرفوعاً، لن يسقط قريباً، ورغم أن فلسفته صعبة الفهم، فكيف تكون المفاوضات بديلاً عن فشل المفاوضات؟ هي أحجية، وتعني فيما تعني أن لا بديل ولا خيار آخر، وهو ما يترجمه معارضوها أنه يعني الاستسلام لإرادة العدو، حيث المفاوضات التي تجري بين طرفين غير متكافئين لن تجني سلاماً رغم قوة الحق، وعلوها على حق القوة، تُفسر السلبية الفلسطينية بأن الإنزلاق لخيارات أخرى ستكون مدمرة، وأن هذا الخيار هو لحماية الذات، لحماية الشعب وحماية مكتسباته، وعلى رأسها مؤسسة السلطة، في المقابل يرى الراديكاليون وبينهم فتحاويون أن السلطة هي قيد يُكبل النضال الفلسطيني وهي واجهة للاحتلال وتخدم مشاريعه وهي بمثابة وكيل لا أكثر، أصبحتُ أداة لحمايته،وهي بالمعنى الآني وبالمعنى الإستراتيجي تُمثل تدميراً للذات الفلسطينية المناضلة.

وأمام هذا الواقع فإن الإجابة على سؤال: “ماذا بعد” هو أن العقل المسيطر على الساحة الفلسطينية، هو عقل يتجاوز في سلميته الغاندية النضالية، لذلك سيكون الآن وفي المستقبل القريب، سلبياً حتى نخاع العظم، لا تريد السلطة مواجهة مع المحتل، لا شعبية ولا مسلحة ولا أي شكل من أشكال المواجهة، ليست السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية اليوم هي الحركة الثورية الفلسطينية التي صنعت حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بل هي اليوم أشبه بحركة محافظة تريد كما يُعبر بعض من قادتها أن تبقي القضية ضمن سياسة “الضعف قوة” وهو ما وصف به خطاب الرئيس في مجلس الأمن عندما استجدى العالم مساندة الفلسطينين وأنصافهم.

الوضع الفلسطيني معقد جداً، انقسام بين الفصائل، سلطتان تحكمان شقي ما يطالب به العالم أن يكون دولة فلسطينية، يصاحب ذلك شلل وتناقض في المواقف، ورهان على دور أوروبي وروسي وصيني غير متوفر في الحقيقة، إذ تثبت الوقائع أن مواقف دول أوروبا التي يسعى الفلسطينيون لتجنيدها لمصلحتهم غير ممكنة، فهذه الدول جرمت حركة مقاطعة إسرائيل ووقف الاستثمارات معها BDS واصطفت خلف دولة الصهاينة في منع المحكمة الجنائية الدولية من مساءلتها على جرائمها ضد الإنسانية، وما اقترفته من جرائم حرب، من خلال إقناع المحكمة بأن ولاياتها لا تشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد أثبتت أوروبا أثناء مداولات مجلس الأمن أنها ذيل أمريكي ولا تملك إرادتها المستقلة، فقد عطلت ما كان قبل مدة إجماعاً دولياً معارضاً لسياسة الاعتراف بالقدس كعاصمة للصهاينة، ورغم بياناتها المعارضة للصفقة الأمريكية بوصفها مخالفة للقانون الدولي إلا أنها رأت في الخطة خطوة إيجابية يجب أن يبنى عليها.

الخطة الأمريكية تعني أن طريق المفاوضات وأن الطريق المسموح به هو طريق الإذعان والاستسلام الطوعي، وطريق الكفاح المسلح غير ممكن دون دولة عربية تمثل هانوي أو قاعدة ارتكاز نضالية، فالدول المجاورة لفلسطين ربطت نفسها بمعاهدات سلام مع الصهاينة واقتصادياتها مرتبطة بالدعم الأمريكي ورضاه عن أدائها الأمني والقمعي، والعالم العربي كله في حالة صراع وانهيار لمنظومة الأمن القومي.

ستراهن السلطة على عامل الوقت، ستراهن على تغيير ما، تعتقد أن هناك قادما سيغير موازين القوى بفعل تغير مناخ العلاقات الدولية، رهانها هذا قد يصلُح كرهان استراتيجي في قادم الأيام البعيدة ولكن في الحاضر يبدو أن الانحناء لمرور العاصفة هو ما ستفعله المنظمة، لا مؤشرات أخرى في اليد ولا حتى في التفكير، وما تراهن عليه السلطة تفعله أيضاً حماس التي أصبح همها الحفاظ على سلطتها في غزة والسعي لهدنة طويلة مع المحتل، لاشيء آخر يلوح فيّ الأفق الفلسطيني لا شيء سوى العجز المصحوب بالأمل، ولكن لا أمل بلا عملٌ، بل ضياع وانتظار، إنتظار ماذا؟ إنتظار ما أصبحَ معلوماً أي الرهان على خيار التسوية بالمفاوضات، أما الرهان على المجهول فهو رهان على الأقدار والحتميات، وهو كمن يضع نفسه مثل ريشة في مهب الريح، المجهول بات معلوماً، خطوات تصعيدية ستعقب انتخابات الكنسيت أولها ضم الأغوار والمستوطنات الكبرى.

آن الآوان أن تطرح منظمة التحرير هدفاً جديداً غير حل الدولتين،آن الآوان أن تخرج من خيار استجداء مفاوضات مع مستعمر عنصري إحلالي لا يعرف معنى للسلام بل ما يريده هو استسلام وخنوع كامل ليس من الفلسطيني فقط، بل من كل العرب، آن الآوان لتغيير مفردات اللغة السياسية، فاللغة الفلسطينية التي تتمسك بمبادرة سلام عربية، لم يعد لها معنى في السياسة بعد أن أفرغها العرب أنفسهم من مضمونها، حيث طبعوا دون تحقيق مطالبهم.

آن الآوان للعودة إلى مسلمات الصراع ومبادئه الأولى، وهي تقول إن الصراع، صراع وجود لا صراع على حدود، وطالما الأمر كذلك فالصراع يجب أن يكون على كل فلسطين لا حصرها بحدود صغيرة شتتت الشعب الفلسطيني في أهدافه وانتماءاته وجعلته في ضياع هوية.
آن الآوان لصحوة فلسطينية، فإذا تحققت أيقظت كل العرب من سباتهم، وغيرت من أولوياتهم، التغيير بدأ فلسطينياً في الستينات، والتحق به العرب ، والتغيير اليوم يبدأ من فلسطين أيضاً،أالم يقل العرب إنهم يقبلون ما يقبل به الفلسطيني؟
إذاً الخطوة الأولى فلسطينية…

*مفكر وباحث فلسطيني