د.علاء أبوعامر يكتب: مابين التهدئة والانتخابات والدولة المؤقتة.. الحالة الفلسطينية في أسوأ مراحلها

 

(إسرائيل) الكيان الغاصب لا يمكن أن يعيش في حالة حرب دائمة أو سلام دائم، تخبرنا التجربة أن الوضع المُفضل للكيان الغاصب ولوجوده واستمراره هو حالة اللاحرب واللاسلم ، فيها يزدهر ويؤدي وظيفته ويُبقي على تماسك مجتمع مستوطنيه، لطالما عزفنا ألحاننا على أوتار قيثاره ما نسميه مقاومة فلسطينية اليوم، ليس إلا حالة من حالات العزف المتقطع على وتر المصلحة الصهيونية، وما نسميه تسوية ومفاوضات هي عزف آخر على نفس الأوتار، لن يجد الصهاينة عدوًا أفضل من الفصائل الفلسطينية بقياداتها الحالية، فهي ممثل سيء لحاضر بائس، فقد فُصِّلت تلقائياً أو بفعل فاعل على مقاس مخططاته.

يبقى الأمل في أبسط أشكال النضال الفلسطيني، متمثلاً بالحفاظ على الارتباط بالأرض والتجذر فيها، تمسك الشعب الفلسطيني بالأرض والدفاع عنها وعدم مغادرتها رغم كافة أشكال التضييق والمصادرة، هو الذي يمنع المحتل من إعلان الانتصار النهائي، وليس الفصائل الفلسطينية التي استنفذت دورها وتحولت إلى إقطاعات وتجمعات مصالح.

(يلاحظ أن هناك من يبيع الأرض في وضح النهار دون رادع ولو بنسب ضئيلة).

في الذكرى الـ ٣٢ للانتفاضة الأولى، يتضح أن الفصائل الفلسطينية المسلحة والتي انطلقت جميعها لأجل تحرير فلسطين تحولت من المقاومة المسلحة إلى الشعبية، والآن باتت تتبنى المقاومة الصوتية (شبه إعلامية إذ لا إعلام حقيقي) ، فقد صدرت خلال الأيام الماضية تصريحات من مثل “صبرنا نفذ وسنفعل إن لم تكفوا”، و”سنلغي كل الاتفاقيات إن لم يكفوا”، صرخات تخرج من جنبات ما تبقى من وطن فلسطيني، الأولى من غزة والثانية من رام الله، دون فعل حقيقي، الفعل مُقيد بتفاهمات هنا واتفاقيات هناك، في جنبات الوطن وعلى مايبدو يتخذون من حديث نسب للرسول قاعدة للرد على جرائم الاحتلال، وهي القاعدة الاقل تكلفة ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) .

واضح أن اللسان مازال قادراً على النضال والقول بـ: “لا للمخططات الصهيونية والأمريكية”، لكن الخشية في ظل تراكم الخيبات أن نصل إلى نضال القلب فقط، ونضال الدعاء والأُمنيات، وانتظار الطير الأبابيل لأن لا أحد يستطيع حماية بيت الله (المسجد الأقصى) الذي يدنس يومياً من قبل قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال.

عندما ترتفع المصالح فوق المبادئ تصبح الأمنيات أعلى من العمل.

شغلت الصراعات الداخلية الفلسطينية على السلطة الوهمية تحت الاحتلال الفصائل الفلسطينية عن مقارعةالمحتل، فمن تلاحم وتسابق على التضحية والفداء بالنفس والمال خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، إلى التسابق الآن على ماتوفره السلطة والإمارة من ترف ومناصب.
لايمكن أن تبقى القضية حية وذات قيمة إنسانية، طالما لا يوجد حراك على الأرض يربك المحتل، دون ذلك سيتعامل العالم مع الواقع القائم، واقع الاستكانة والخنوع، يلاحظ أن هناك تحولاً في سياسات بعض الدول تجاه فلسطين، بدت هذه التحولات واضحة في تصويت على أحد القرارات الروتينية الخاصة بشعبة فلسطين للحقوق غير القابلة للتصرف في الأمانة العامة للأمم المتحدة.
فلسطين بدأت تخسر بعض المتعاطفين معها من دول العالم، ثلاثة عشر دولة منها ما اعتبر صديقا تقليديا لفلسطين وعدالة قضيتها، صوتت الاسبوع الفائت بمعارضة قرار روتيني، وهذا مؤشر أن هناك خللا ما في الدبلوماسية الفلسطينية يجب إصلاحه.

أغرت المسميات الوهمية التي طفى بها البعض الفلسطيني فوق جراح الشعب النازفة البعض ليستكين عن النضال، وأصبح الفلسطينيون في نظر بعض العالم المتعاطف معهم لا يستحقون دولة ولا استقلال، بل تسهيلات ومساعدات إنسانية فقط، وهذا ما سعى الصهاينة لإقناع العالم به على مدار السنوات الماضية بعد فشل التسوية التي بُنيت على اتفاق إعلان المبادئ في أوسلو ، وكذلك بفعل ممارسات حماس التي تحكم قطاع غزة، التي حولت أكبر ظاهرة شعبية منذ سنوات الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧ وهي مسيرات السياج الأسبوعية في قطاع غزة، إلى مطالب حزبية فئوية تشتمل على مساعدات بالدولار والسولار ومساحات الصيد وتسهيل زيارات القادة وخروجهم من القطاع، ومشفى ميداني أميركي …الخ.

كيان الصهاينة يكسب في عدة ساحات، من بينها بعض العرب الذين قد ارتاحوا للانقسام الفلسطيني، وتوقف الفعل النضالي الفلسطيني الذي كان يلهب مشاعر الجماهير العربية، فلسطين تخسر، ولكن رغم ذلك ليس هناك من مُتعظ بل إصرار على التمسك بالوهم والقتال من أجله حتى النهاية.

كانت التسوية خيانة في عرف حركة الإخوان المسلمين ـ الفرع الفلسطيني (حماس)، وذلك عندما كان قطاع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وكانت التهدئة مع الاحتلال الصهيوني تخاذلاً ولا تجوز، انقلبت حماس على السلطة تحت شعارات تصحيح المسار وتغييره، لكن بعد تجربة الحكم الفئوي لقطاع غزة أصبحت الهدنة اليوم في عرف حركة حماس هي استراحة محارب لتعزيز القدرات في سبيل التحرير الشامل، (ربما سعياً للتوازن الإستراتيجي الذي فشلت به دول عربية كبرى بعد أن رفعته شعاراً)، مازال السعي لتثبيت الإمارة هدفاً، مازالت فلسطين لا تساوي إلا مسواك أسنان أمام الإيديولوجيا الإخوانية الشمولية، بل إن اثنين من قادة الصف الثاني في حركة حماس كتبوا قبل أيام وبشكل صريح أن دولة في غزة هي الحل، بل حل مطلوب للخروج من الأزمة وعلى الشعب الفلسطيني عدم التعاطي مع موقف القيادة الفلسطينية الرافضة للحلول الأمريكية تحت مسميات الخشية من صفقة القرن! (ابراهيم حبيب وابراهيم المدهون) و كتب آخر “إن إنهاء السلطة يجب أن يكون هدفا، والعمل على إنشاء بديلا عنها، كيان مؤقت في قطاع غزة”.
يأتي كل هذا في وقت كثُرَ الحديث فيه عن هدنة طويلة الأمد بين فصائل قطاع غزة وكيان الصهاينة وبتجاوز للسلطة الفلسطينية ودورها.

وعلى ما يبدو أن حدثاً كهذا سيُفشل دعوة الرئيس محمود عباس للانتخابات التي اتفقت الفصائل على إجرائها، لكن ما زال التشكيك فيما بينها هو السائد، فتح التي مازلت تحمل في ذاكرتها الجمعية خيبات آخر انتخابات تشريعية تسعى لدخول الانتخابات بقائمة مشتركة مع حركة حماس، بل تُصر على ذلك، إصرار فتح على دخول الانتخابات بقائمة مشتركة مع حماس يعني واحدا من اثنين ، إما الخشية من تكرار تجربة 2006 وهذا دليل على ضعف فتح وعدم جاهزيتها للانتخابات، وهو ما عبر عنه ناصر القدوة قبل مدة، الثاني أن هناك خشية من تكرار السيناريو السابق ومقاطعة العالم لحركة حماس، وعندها سيبقى النظام السياسي يراوح مكانه، وفي حالة شلل، وهذا ليس حلا، لكن إذا كان الأمر كذلك، فالأولى أن تتوافق الحركتان دون إنفاق مال كثير على انتخابات نتيجتها ستكون معروفة سلفاً، فمن الذي سينافس فتح وحماس معاً ويفوز ولو بمقعد واحد؟

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، تشكيل قائمة واحدة يعني تكرار نفس الوجوه والاستمرار بنفس النهج، بل وربما تجذير الانقسام والاستمرار بإدارته، لا الخروج منه.

خوض الانتخابات بقائمة مشتركة تجمع الفصيلين الكبيرين ليس ديمقراطية بل تحايل على الشعب والعالم.

الحالة الفلسطينية مزرية، حيث لا تقدم في عملية التسوية بل استيطان واعتقالات وهجمات جوية صهيونية على قطاع غزة، بينما هناك بطالة متزايدة وأزمات حياتية إقتصادية متراكمة، وما يقدم ليس سوى تفاهمات لتسيير الحياة اليومية مع تأجيل أو حتى الغاء كل ما يتم التفاهم عليه دون أن يقدم الرعاة الدوليون أي حل، بل أن الراعي الأمريكي أكثر تطرفاً من المحتل الصهيوني في مواقفه تجاه قضايا الحل النهائي.

مالعمل؟
لا شك أن انتخابات برلمانية ورئاسية حقيقية هي مطلب شعبي للخروج من الأزمات ، ولكن الانتخابات وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر أكثر من ذلك، مثل التوافق على استراتيجية نضالية جديدة تختلف عن السابقة، وتغيير السلوك في التعامل مع العدو على أنه يمكن أن يكون شريكاً في السلام، حيث ثبت بالمطلق أن لا شراكة سلام مع الصهاينة، بل أن نظرتهم للتسوية هي استغلال للمواقف الفلسطينية والعربية المرنة، واستعباد وقمع للفلسطيني، وتمييع لأسس الحل وجعلها في خبر كان.
هل من أمل؟
دائماً هناك أمل، فالشعب الفلسطيني شعب خلاق، كان وسيبقى أكبر من قياداته وفصائله، وهو المبدع في نضالاته التي لن تتوقف إلا باستعادة كل الحقوق المغتصبة.