د.علاء أبوعامر يكتب: ما بعد نشر الخطة الأمريكية المرفوضة وطنيًا.. هل هناك خطة (ب) فلسطينيًا ؟

د.علاء أبو عامر

لا مفاجآت في الخطة أو الاتفاق الأمريكو ـ صهيوني، فكل ما ورد فيه من خطوط عريضة كانت قد أعلنتها الإدارة الأمريكية عبر الثلاثي الصهيوني (كوشنير، غرينبلات، فريدمان) من خلال مؤتمرات صحفية وإعلامية.

الجديد هو الدرجة العالية من الجرأة التي وصلت حد الوقاحة أحيانًا، في تحدي مشاعر الشعوب العربية التضامنية، والمس بجراح الشعب الفلسطيني النازفة منذ سبعين عامًا.

الجديد أيضًا هو سهولة تخلي البعض العربي في مواقفه الفردية عن قضية فلسطين، بما في ذلك قضية القدس ومسجدها وكنائسها (بقولهم:لن نكون فلسطينين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟!)

وكأن الفلسطيني الخاضع للاحتلال لديه خيارات إلا أن يتعامل مع عدوه المحتل لأرضه، كل أرضه، لمعابرها وطرقها، هوائها، وبحرها وما تحت أرضه؟

وكأن الفلسطيني لا يبذل دمه الزكي دفاعًا عن مقدساته ومقدسات العرب والمسلمين بشكل يومي؟!

ماذا تعني تلك العبارة المؤلمة بأن العربي لن يكون فلسطينيًا أكثر من الفلسطيني؟

فلسطين كانت القضية المركزية للعرب والقدس هي أم المقدسات، لدى الجيل السابق من الحكام العرب،(على سبيل المثال الرئيس مبارك والملك عبد الله، وغيرهما) ويحفظ التاريخ القريب، في ذاكرته أن مواقف القادة العرب في حينه الداعمة للمفاوض الفلسطيني (1999) أدت إلى فشل حملة الضغط الأمريكية في كامب ديفيد الثانية على عرفات وقادت إلى اندلاع إنتفاضة الأقصى.

هل أصبحت قضية فلسطين بما فيها قضية القدس، اليوم قضية هامشية مثلها مثل أي قضية أخرى؟، هل لم تعد أعدل قضية في التاريخ، تحظى بالقداسة لدى بعض القادة العرب من الجيل الجديد؟، وهل التعاطي معها ونصرتها أصبحَ ماضيا وانتهى؟

طُرحت الأمور أحيانًا بهذا التبسيط إعلاميًا، حيث انبرى بعض المحللين السياسيين العرب، وطرحوا أسئلة بلهاء مثل: ما الفرق بين القدس وحيفا أو يافا، اللتين بزعمهم كان الفلسطيني قد تنازل عنهما في أوسلو؟!

ما الذي يجعل العرب يفعلون هذا الفعل؟
لماذا أصبحوا خانعين كل هذا الخنوع المُذل؟
لماذا يتخلون عن قُدسهم؟

قد يقول البعض مبررًا، إن ذلك بسبب ربيع الخراب العربي، وتبدل الأولويات.

المؤكد أن معادلة الصراع العربي الصهيوني، هي معادلة لم تعد قائمة، والقائم منها فقط هو معادلة الصراع الفلسطيني الصهيوني، بل أن بعض المحللين السياسيين العرب (إياهم)، أصبحوا يميلون للمصطلح الصهيوني وهو النزاع وليس الصراع، حيث الصراع يتطلب استخدام أدوات قوة، والفلسطيني منذ عام 2006 في الضفة الغربية المحتلة تحديدًا تخلى عن العنف الثوري واستبدله بالقوة الناعمة الممثلة في الدبلوماسية والمظاهرات السلمية الموسمية، احتجاجًا على بناء جدار الفصل العنصري والاستيطان وهدم البيوت، أما في غزة (المحررة بحسب قادة حماس) فقد استمر النضال المسلح وتطور نوعيًا، لكن غاياته أصبحت محل شك، فغالبًا ما تكون المواجهات هناك بهدف ابتزاز الاحتلال من أجل إدخال الأموال أو التسهيلات الحياتية وتوسيع منطقة الصيد البحري  على الأقل هذا ما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة).

وطالما هو نزاع فهو نزاع على حدود لا على الوجود، ونزاع الحدود يخضع للجان التحكيم والوساطة والتوفيق والمساعي الحميدة، والخطة الأمريكية هي نوع من هذا القبيل كما يراه هذا البعض العربي، خطة توفيقية ومساع حميدة (مشكورة ومثمنة ومقدرة بحسب البيانات الرسمية العربية)، وعلى الفلسطيني التعاطي معها إيجابيا. عليه عدم تفويت الفرصة حتى لا تضيع كل الأرضِ!

إنه (المنطق) لكنه عجيب!

على مايبدو أن هذا البعض لم يقرأ البنود بل قرأَ بيانًا أعده الأمريكي، بشكل مسبق، إذ لو قرأ لعلم أن ماسمي خطة تعني فيما تعني لوطبقت على الأرض نهاية القضية دون الحصول على شيء!

لكن لماذا نلوم العرب وننتقد فذلكاتهم الانبطاحية، الموجهة أمريكيًا بالضغط والتهديد، وبعض ما يكتب بخط عربي، مدفوع الأجر لكتاب تنزف أقلامهم دولارات، لكتاب تعودوا أن يكونوا كالنجارين يُفصلون كما يريد دافع المال، يكتبون لمن يشاء ما يشاء. ألا ليتهم كبتوا حبر أقلامهم وألجموا أفواههم لكان أشرف لهم من هذا التصهين الواضح، الذي لن يمنح من سار أو سيسيرُ فيه سوى الذل والعار حاضرًا ومستقبلاً.

من يأمل بتنمية وتطور اقتصادي من وراء تخاذله ومساومته على الحقوق الفلسطينية، لن يحصد إلا الخيبة، فقد فعلها غيرهم قبلهم، ولم يحصلوا حتى على الفتات الذي أملوا بالحد الأدنى منه.

أمام هذا الانكشاف الرسمي العربي الذي لم يشهد له التاريخ العربي مثيلاً، يُطرح السؤال التالي:
– ماذا ستفعل القيادة الفلسطينية والفلسطينيون بشكل عام إزاء ضعف جبهة المساندة العربية؟
إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو ما اعتادت عليه القيادة الفلسطينية، وهو ما تفعله الدول المستقلة ذات السيادة عادةً لا الشعوب التي تخضع للإحتلال، ألا وهو الذهاب إلى المنظمات العربية والإقليمية والدولية، وتحديداً (الجامعة العربية، التعاون الإسلامي، مجلس الأمن، الجمعية العامة للأمم المتحدة، محكمة العدل الدولية، المحكمة الجنائية الدولية… الخ)، وممارسة الدبلوماسية الثنائية، بهدف استنفار الأشقاء والأصدقاء.

يعلم الصهاينة وحماتهم الأمريكان جيداً أن هذا الطريق ما ستسير عليه القيادة الفلسطينية، وقد نجح سابقاً في المتعدد، وقد ينجح مرة أخرى، الحجج الفلسطينية هي حجج ذات طابع قانوني دولي لذلك من المرجح وذلك ليس مضموناً تماماً، أن يحظى مشروع القرار الفلسطيني بالأغلبية مع شذوذ عّن القاعدة أمريكياً كما في أغلب الأحيان.

لكن النجاح الفلسطيني في المتعدد إن حصل، قد يفشل في الثنائي أي في المواقف الفردية للدول، عربياً وعالمياً.

مما لاشك فيه أن التكتيك الفلسطيني إن نجح في رفع الغطاء الشرعي الدولي عن الخطة الأمريكية، رغم الصعوبات المتوقعة أكثر من المرات السابقة، فموقف أغلب الدول حتى الآن، تشكيك بالخطة الأمريكية، مع رغبة في أن يناقشها الطرف الفلسطيني وأن لايرفضها بالمطلق!، هناك شك في تغيير مسار الأحداث، الشك منبعه الخذلان العربي، والخشية من موجة تطبيع متسارعة، وترك الفلسطيني وحيداً يواجه الحلف الصهيو أمريكي.

هناك موجة من الإنكسار والتطبيع العربي المتناغم مع نشر الصفقة لا تخطئه العين، وهناك ابتزاز أمريكي مستمر للأنظمة في قضايا وطنية، هناك مقايضة ، مثلما فُعل مع السودان حيث عرضت على قيادته التخلي عن فلسطين مقابل رفعه اسمه من قائمة الإرهاب وفك الحصار عنه،والمغرب لديه وعد إذا تخلى عن فلسطين سيدعم موقفه في مسألة الصحراء الغربية، والخليج يبتز في صراعه مع إيران، ويوضع مستقبل دوله وضمان بقاء أنظمة الأسر الحاكمة فيه بشرط التطبيع والتحالف مع كيان الصهاينة.

ربما لن يجد الفلسطيني سوى لحمه العاري جدارًا في مواجهة آلة القتل الصهيونية، معادلة الدم الذي ينتصر على السيف، والعين التي تقابل المخرز.

المطلوب خطة (ب) فلسطينية.

ماذا يعني خطة (ب)؟ هل هي لم الشمل الفلسطيني من خلال استئناف ملف المصالحة الوطنية والذهاب إلى انتخابات؟ أم حل السلطة ورمي المفاتيح في وجه قادة دولة إسرائيل؟، أم تفجير موجة من العنف في وجه الصهاينة، أي انتفاضة مسلحة أو سلمية؟

قد تبدو كلها خيارات ضرورية…لكنها دون استراتيجية وطنية شاملة ستكون بلا جدوى، المؤكد الذي يراه الجميع بما فيهم القيادة الفلسطينية أن التسوية بناء على حل الدولتين قد أفلت، ولَم تُعد منطقية، وأن ما تبقى من خيارات يتمثل في دولة واحدة لكل مواطنيها متساويين في الحقوق والواجبات على كامل أرض فلسطين ما قبل النكبة. بديل الأخرى الحالية أي دولة الأبارتهايد الفصل والتمييز العنصري وهذا واقع غير مقبول فلسطينياً ودولياً، أما الثالث فهو دولة ذات نظامين وهي أيضاً دولة فصل عنصري وتمييز طالما هي بطابع ليس فدرالياً أو كونفدرالياً أي دولة واحدة مركبة (لقوميتين) أو تجمعين اجتماعيين -سياسيين.

هذه الأطروحات مرفوضة صهيونياً باستثناء الوضع الراهن، أي نظام الفصل العنصري الذي يراهن الصهاينة على استمراره لتنفيذ الترانسفير المستقبلي بعد قوننة الاحتلال إثر العمل على موافقة الفلسطيني وتطبيع العربي كما يأمل واضعو الخطة.

الخطة (ب) قد تكون دُرست فلسطينياً على مستوى القيادة، وهي تتمثل أولاً بالعودة إلى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وإحيائها من جديد وجعل المنظمة هي الحكومة الفلسطينية والإلغاء السياسي للسلطة ببعدها الوظيفي الذي يخدم الاحتلال أمنياً، والحفاظ عليها في إطار الخدمات التعليمية والصحية فقط.

هل هذه هي الخطة المطلوبة لمواجهة التحديات؟ هل هذا يكفي؟
بالطبع يكفي ولكنه لن يكفي إذا لم يتغير هدف النضال فالإبقاء على خيار حل الدولتين لن يغير في الأمر شيئاً، المطلوب الذهاب باتجاه حل الدولة الواحدة لأنه الوحيد الذي يمثل نقيضاً للصهيونية والعنصرية والفاشية، ومع أن تحقيقه يبدو مستحيلاً إلا أنه أقصر الطرق بعد أن جُرب خيار التسوية بناء على تصور حل دولتين لشعبين، أكثر من ربع قرن وفشل.

يؤكد عدد من المحللين عرباً وصهاينة وغربيين أن قوة القضية وعدالتها التي كانت دائماً ما تُفشل مساعي تصفيتها مازالت حاضرة وبقوة رغم هذا التهافت العربي غير المُبرر أخلاقياً، لكن قوة القضية وعدالتها وحدها لا تكفي، فهي بحاجة إلى رد فعل فلسطيني شعبي على الأرض أي انتفاضة عارمة تكون بحجم الحدث الجلل الذي هو وعد ترامب – بلفور، مع تفعيل المقاطعة الدولية لنظام الفصل العنصري الصهيوني إلى أقصى درجة ممكنة.
وعد ترامب – بلفور هو أخطر من وعد بلفور القديم، الذي أنشأ كيان الصهاينة، الخطة الأمريكية تعتبر التطبيق الحرفي لنص الوعد كما يقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو محق في ذلك. هذه الخطة هي الفصل الأخير أو ما قبله بقليل إن استكان الفلسطينيين.

خطة (ب) هي الرد على المؤامرة، خطة مع فعلٍ على الأرض، خطة مع استراتيجية نضالية جديدة تستفيد من تجارب الماضي وتأخذ النموذج الجنوب أفريقي سبيلاً لغاياتها. مثل هذه الخطة إن بُلورت بشكل صحيح ستؤدي إلى التغيير وقلب الطاولة في وجه المحتل وداعميه.

*باحث ومفكر فلسطيني

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج