د.علاء أبو عامر يكتب: الفلسطينيون ملح الأرض والصهاينة هم الغرباء 

نتنياهو يُكذّبُ التوراة ذاتها عندما يقول إنّ “الشعب اليهودي” له جذور مُمتدة في فلسطين عمرها 4000 سنة، أمّا الفلسطينيون، فالقدماء منهم جاؤوا من جنوب أوروبا، والحاليون جاؤوا من جنوب جزيرة العرب بحسب زعمه، وهذا القول ليس بجديدٍ، بل ادعاء الصهيونية مُذ بدأت مشروعها الاغتصابي في فلسطين نهاية القرن التاسع عشر.
رغم كل الأكاذيب والتلفيقات الصهيونية، الّتي أصبحَ عمرها أكثر من قرنٍ، فإن الفلسطينيُ لن ينسى وطنه حيث عظام أجداده اختلطت بترابه، فكلُ حبةِ رملٍ فلسطينيةٍ، هي بعض من بقايا هؤلاء الأجداد، لو استُنطقت حبة الرمل، لنطقتْ بالحنين إليهم كما هو الفلسطيني المشرد خارجه دائمَ الحنين إليه، وهذا ليس كلامًا في المجاز بل حقيقة، حيث كشف تقرير نشرته صحيفة هآرتس الصهيونية، الإثنين 24 يونيو، عن أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، سيسمح أخيرًا لسيدة فلسطينية بزيارة قبر والدها داخل قاعدة جوية إسرائيلية، بعد 40 عامًا من محاولاتها القانونية لكسب هذه المعركة. وقالت الفلسطينية سلوى سلام قبطي: “إن زيارةَ قبر والدها، الذي لم تقابله يومًا، ستكون نهاية فصل عمره عقود”. وبحسب ما نشرته هآرتس، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيسمح لقبطي بزيارة المقبرة حيث دفن والدها وأقاربها الآخرون، وتقع المقبرة داخل قاعدة جوية في قرية معلول قرب مدينة الناصرة. هذه القصة إذا برهنت على شيءٍ، فإنها تبرهن على أنَّ حلم العودة والسعي إليها لن ينتهي، ولن يموتَ أبدًا.
الدافع لهذا المقال، تلك الدراسة الحديثة حول فلسطينيي عسقلان، والتي تم تلفيق نتائجها صهيونيًا، لتقول عكس النتائج الحقيقة التي خلُصت إليها الدراسة، وهذا التلفيق يفضح أساليب الصهاينة في تشويه الحقائق لخدمة هدفهم الاستعماري الإحلالي في فلسطين، فالنتائج الحقيقية تُشير بشكل واضح  إلى أن أصل الفلسطينيين القدماء كنعانيون عروبيون (شرق أوسطيين)، وما ادّعاه نتنياهو في تغريدته على تويتر، وما تم نشره حولها على المواقع الإخبارية -وللأسف العربية- دون تمحيص، هو تلفيق لتلك النتائج وعكسها، وفيها إصرار على النظرية الصهيونية القديمة بأنهم هندو-أوروبيين، لا أريد في هذا المقال أن أتحدث عن أصل الفلسطينيين، بل عن أصل اليهود أولًا، مُعتمدًا على نصوص التوراة وكتابات قدماء ومحدثي اليهود، لأفنّد ما قاله (نتن يهوه)، حول أصل اليهود الحاليين الذين يُسمون يهود الأشكناز، ويمثلون ما نسبته 95٪؜ من يهود العالم، والذي يؤكد عليه الكاتب الصهيوني البريطاني من أصل مجري آرثر كوستلر، في كتابه “إمبراطورية الخزر وميراثها: السبط الثالث عشر”، بأنهم خزر  ينتمون إلى  العرق التركي التتري، فقد اعتنق هؤلاء اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وهذا ما تؤكده المراجع التاريخية القروسطية الروسية والأوكرانية، وما يؤكد عليه أيضًا الكاتب الانكليزي اليهودي دانلوب في كتابه “تاريخ يهود الخزر”، وما أضافه أيضًا الكاتب اليهودي من أصل فرنسي شلومو ساند في كتابه “اختراع الشعب اليهودي”، وكتاب الكاتبة الروسية تاتيانا غراتشوفا “خزاريا الخفية”، وكتاب “رحلة ابن فضلان” للرحالة العربي الشهير الذي التقى في رحلته إلى خزاريا ملكها بولان، وأخبره الأخير أنه يافثي لاسامي وأنه لا يمتُّ بصلة للأسباط اليعقوبية أو فلسطين، وهو ما أكّدت عليه أيضًا المراسلات الخزرية بين ملك الخزر يوسف، ووزير مالية الخليفة الأندلسي الطبيب اليهودي حسداي بن شبروط.
أما اليهود السفارديم، فهناك معلومة خاطئة شائعة متداولة عنهم، بأنهم يهود إسبانيا والبرتغال، وفي الحقيقة هذا خطأ، إذ لم تسمَّ يومًا شبه جزيرة أيبيريا باسم “سفارد” بل إنه يعود لعاصمة مملكة ليديا القديمة جنوب تركيا، والتي سُميت لاحقًا سارادس أو ساراد. كان الإقليم يقع في الجنوب الغربي من شبه جزيرة آسيا الصغرى (تركيا الحالية)، وأُطلق عليها هذا الاسم لأن الليديون سكنوها منذ العصر الحديدي، وكانوا من الشعوب الآرية. ولغتهم هندو-أوروبية من الفرع الأناضولي، وأغلب النقوش وُجدت من قبل الحفّارين الأمريكيين في عاصمتهم ساردس، والأبجدية اليونانية الشرقية هي التي كانت مستعملة. جاء في سفر عوبديا: “19:1 ويرث أهل الجنوب جبل عيسو وأهل السهل الفلسطينيين، ويرثون بلاد أفرايم وبلاد السامرة ويرث بنيامين جلعاد 20:1 وسبي هذا الجيش من بني اسرائيل يرثون الذين هم من الكنعانيين، إلى صرفة وسبي أورشليم الذين في سفارد يرثون مدن الجنوب 21:1 ويصعد مخلصون على جبل صهيون ليدينوا جبل عيسو ويكون الملك للرب”. (عوبديا) سفارد بحسب السفر، هي مدينة سُبي فيها مسبيين فلسطينيين من قرى ومدن منطقة يهودا والسامرة وغيرها من المدن الفلسطينية والشامية الأخرى، وعوبديا يبشرهم أنهم سيعودون، سفارد هنا ليست في شبه جزيرة أيبيريا، التلفيق الصهيوني يريد تجاوز حتّى الكتاب المقدس، الذي بُنيت عليه كل الأسطورة الصهيونية، لتغتصب أرضًا وتطرد شعبًا وترث ثقافته بالادّعاء أنها لهم وليست له.
الغريب أن كاتب سفر [عوبديا] يُخطئ في نسبة مسبيين من فلسطين إلى سفارد، فسفارد عاصمة ليديا، ومملكة ليديا بالمجمل لم تخضع للاحتلال الآشوري أو البابلي الحديث، لذلك لم يُسبَ إليها أحد، وعليه فإن عوبديا فسّر وجود يهوديين في سفارد، بأنهم من يهود السبي، وهذا تجني على التاريخ، فهؤلاء كانوا سكانًا أصليين ليديين هندو آريين، وليسوا فلسطينيي الأصل، واليهود تواجدوا في غلاطيا، وفي كورنثوس، وفي بافوس بحسب ما يشرح لنا سفر أعمال الرسل في الأناجيل، وهؤلاء كانوا يونانيين أصليين، ولم يكونوا فلسطينيين.
الصهيونية تخوض حرب مصطلحات مع الشعب الفلسطيني، وعلى مستوى الثقافة التاريخية العالمية، حربٌ تُستخدم فيها كل أساليب التلفيق والتزوير لتبرير الاحتلال واغتصاب الحقوق. عندما مر هيرودوت بفلسطين في رحلته الشهيرة، في القرن الخامس قبل الميلاد، لم يذكُر وجود يهوديين أو مملكة يهودية، أو حتى مدينة باسم أورشليم في فلسطين، بل إن سكان الإقليم الذي كان يُطلق عليه “فلسطين السورية” كانوا يتشكلون من ثلاثة أقوام وهم: الفنينيقيين (كنعانيين)، والسوريين(السريان)، والعرب (أدوميين، أنباط، معينيين). ومن الواضح أن الوجود اليهودي، أو إطلاق اسم المنطقة بهذا الاسم، تمّ في أواخر الإمبراطورية الفارسية (القرن الثالث قبل الميلاد)، وصحيح الاسم الفارسي لتلك المنطقة هو أيوديا لا يهودا، وهي بحسب الفكر المجوسي موطن الإله رام. لنقارن رام الله والرامة والرام ورأس كركر موقد النار المجوسي قرب رام الله، وقد استغرب المؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس، من عدم ذكر قومه من قبل هيرودوت وجرانيموس، اللذان عاشا أو مرّا في المنطقة، لكن جوزيفوس فلسطيني المولد والنشأة، ادعى أن اليهود سوريي الأصل، لكنه عندما كتب عن أصول قومه نسبهم إلى الماديين الفرس، حيث بدأ فصله الأول من كتابه “تاريخ اليهود” بالحديث عن نسل يافث وتوجرمه وأشكناز، ولم يذكر أي انتماء لليهود لسام أو حام، فهم وفق وجهة نظره يافثيين هندو أوروبيين. وتوضح بُرديات جزيرة الفيلة-الفانتين في نهر النيل أن لغة الحامية اليهودية الفارسية فيها، كانت اللغة الآرامية، وأن تلك الحامية كانت تؤمن بعدد من الآلهة من بينها يهوه، فقد عبدوا آلهة أخرى مثل أشوبيثال Ishumbethal،حيرم بيثال Herembethal، أناثباثال Anathbathal، وكذلك الإله عنت-ياهو Anathyahu، وكانت “أنات” إلهة الخصوبة والحرب في كنعان، أخت وزوجة “بعل” وكان أفراد الحامية  يتوجهون في صلاتهم وصِلاتهم إلى معبد جرزيم في نابلس، ولم تذكُر البرديات شيئًا حول أورشليم، وعندما احتل الاسكندر المقدوني السامرة (نابلس)، أخبره سكانها وكهنتها (كهنة جرزيم)، أنهم صيدونيي الأصل، أي من صيدا شمال فلسطين وهم فينيقيين.
واليهود بحسب سفر أستير (عشتار)، ليسوا قومًا أو جنسًا واحدًا بل ديانة انتشرت بين معظم أقوام الشرق القديم من الهند الى الحبشة فترة أحشويرش، وبرعاية من الإمبراطورية الفارسية، جاء في سفر استير (عشتار): “17:8 وفي كل بلاد ومدينة كل مكان وصل إليه كلام الملك وأمره كان فرح وبهجة عند اليهود وولائم ويوم طيب، وكثيرون من شعوب الأرض تهودوا لأن رعب اليهود وقع عليهم”(استير :٨). عن أي تاريخ يتحدث نتنياهو، وتوراته التي هي توراة كتبها بعض من أجدادنا العرب الفلسطينيين القدماء، ودونوا فيها بعض من أساطيرهم ومعتقداتهم ومعتقدات من جاورهم من شعوب؟ ما دخل نتنياهو الخزري الأشكنازي بهذه الأرض وتاريخها وحضارتها؟ نحن يا نتننياهو ملح الأرض وعبق التاريخ، وأنت ومن جاءت بهم القوى الاستعمارية غرباء لا علاقة لكم بطيننا وعجيننا، عرفت عصور التاريخ لصوصًا كثيرين، لكنها لم تشهد لصوصًا بوقاحتكم، فأنتم ترغبون بسرقة كل شيء وتعتقدون أن محكمة التاريخ ستصدقكم، حبال الكذب قصيرة عندما تكون هذه الحبال مهترئة وتالفة ولا تقوى أمام هبوب الريح.
*مفكر وباحث فلسطيني