د. علاء أبو عامر يكتب: حماس بين الوعي و الاستمرار  في غيبوبة القدرية السياسية

 

 نشرت الصحافة الصهيونية ومنها «يديعوت أحرونوت» خبراً مفاده أنه: في العام الماضي غادر 35 ألف فلسطيني طواعية قطاع غزة دون مساعدة من إسرائيل. وأوردت تصريحاً لوزير إسرائيلي يرافق نتنياهو في زيارته لأوكرانيا يقول فيه: سوف نسمح لهم (لسكان قطاع غزة) بالإقلاع من مطار النقب إذا كان هناك من يستوعبهم؟!

 

كما أبدت إسرائيل استعدادا لتمويل عملية الهجرة إلى دولة ثالثة في حال العثور على دولة توافق على استيعابهم.. ايليت شاكيد وزيرة العدل السابقة تبجحت أنها صاحبت هذه الفكرة التي عرضتها منذ زمن على مجلس الوزراء لتوفر للمواطن الغزي حياة أفضل، بحسب قولها.

ربما  الخبر صادم، فخبر كهذا من المفروض أن يهز أركان البيت الفلسطيني ويدق ناقوس الخطر، في دوائر منظمة التحرير وحماس والجهاد وكل التفريخات التي انتجتها حماس في قطاع غزة من ألوية وكتائب وفيالق…وغيرها.

لكن  ومن خلال التجارب لا أعتقد أن شعرة سُتهز في مؤخرة  أحدهم، فإذا كان تصريح نتنياهو الذي يقول فيه أنه يقدم المال لحماس ليُعزز الانقسام ويمنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة لم يؤثر أو يغير أو يجعل حماس تشعر بالخجل وتُغير من مواقفها تجاه الإسراع بالمصالحة، هل ستغير حقيقة سعي الصهاينة لتهجير الشباب الفلسطيني من غزة والضفة ومناطق الـ ٤٨ شيئاً؟

 

ألم يصرح أحد قادة حماس الكبار قبل عامين بأن من لا تعجبه الحياة في غزة والعيش تحت حكم حماس يمكنه المغادرة إلى غير رجعة!

إذن  فقد وضعت حماس وحكمها لغزة كأولوية كبرى على ماعداها، بل أنها أهم من بقاء الفلسطيني في أرضه، وعندما تلتقي مصلحتي مع مصلحة عدوي أو هدفي مع أهدافه فأنا على خطأ (بحسب قول منسوب لماوتسي تونغ)، هل هو خطأ فعلاً أم فعلاً مدبراً؟.. إذا كان خطأً فاليوم قبل الغد يجب التراجع، والاعتراف بالخطأ يُعتبر عملاً وطنيا وتكفيراً عن الذنوب والآثام التي ارتكبت (بوعي)  ضد المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني.

 

ما زالَ قطاع غزة يُعاني من أزماته المُعتّقة، الّتي كلما لاحَ خيط أفقٍ يدلُّ على انفراجةٍ، تعودُ الأمور إلى ظلماتها السابقة، وما يبدو من خلال التجارب -أصبح عمرها اثنى عشر عامًا- أنّ هذا الواقع المؤلم سيبقى لفترة طويلة أخرى قادمة، طالما ظلَّ الانقسام الفلسطيني قائمًا، و هو في الحقيقة ورغم الأذى الّذي يُسبّبه للشعب الفلسطيني وقضيته، ليس السبب الوحيد والمباشر، بل إن حكم حماس (حركة الإخوان المسلمين الفلسطينية) هو سبب آخر، وهو بحدِّ ذاته دافع من دوافع استمرار الوضع الراهن، فهذا الحكم الإخواني الذي رُفِضَ عربيًا ودوليًا، وقبل كل ذلك فلسطينيًا عزّزَ من الحصار الصهيوني على قطاع غزة، رغم أنّه أضحى مقبولًا صهيونيًا، إذ باتَ يخدمُ مصالح الصهاينة في استدامةِ الانقسام وتحويله إلى انفصالٍ دائم، لما يترتبُ عليه من وأدٍ للطموح الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية مُستقلة عاصمتها القدس، على حدود الرابع من حزيران عام 1967. وهذا ما عبّر عنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة، خاصةً في تبرير سياسته المرنة تجاه تمرير المال القطري للحركة الإخوانية.

 

والحقيقة أن الصراع الداخلي الفلسطيني ليس صراعاً بين برنامجين كما يدعي قادة حماس بل هو صراع على الحكم فقط، فمنذ الانقلاب/الحسم عام 2007 حاولتْ الحركة الإخوانية اتّباع أساليب مُختلفة لإثبات جدارتها بحكم قطاع غزة، من خلال قمع معارضيها وقمع التحركات الشعبية المطالبة بالعيش الكريم بقسوة قل نظيرها، وقدمت الحركة براهين لعدة أطراف عربية وأوروبية، واصفةً نفسها بأنها الأقدر على الوفاء بالالتزامات المُترتبة على عملية سياسية سلمية، تختلفُ عن اتفاق أوسلو شكلًا وتتفقُ معه جوهرًا، فقد طرحتْ الحركة منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ أي البدايات الأولى لانطلاقتها المُسلحة، مبادرة للسلام وإقامة دولة على حدود عام 1967، مقابل هُدنة طويلة الأجل، تستمرُ ربع قرن من الزمن، شرط عدم الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود. طبعًا، والتواريخ هنا مطّاطة، وليست مقدسة. ولمّح قياديوها ومنهم نائب رئيس المكتب السياسي الأستاذ موسى أبو مرزوق، في مقابلة مع القناة الحمساوية “القدس”: إلى «أن التفاوض مع الاحتلال ليس محرمًا، بل قد يصبح مُمكنًا».

وفيما يُعتبر اسقاطًا لشرط عدم الاعتراف بإسرائيل، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في معرض تعليقه على الانتقادات الأمريكية، بشأن علاقة بلاده بحركة حماس: «إن الجميع يعلمُ الفرق بين خط حماس السياسي السابق والحالي، مضيفًا: «تُعتبر تركيا من أكثر الدول التي ساهمت في إحداث ذلك الفرق، حتى أننا أقنعنا حماس، بأن الوقت الذي سيتم فيه التوصل إلى حل، سيتضمن الاعتراف بدولة إسرائيل “مستقلة”»، كما أضاف الوزير التركي: «لقد مارسنا ضغوطًا على حركة حماس لإلقاء السلاح، والدخول في مفاوضات مع إسرائيل، وأبدتْ الحركة استعدادها للاعتراف بـها”.

 

وقد أصدرت الحركة في شهر أيار/مايو عام 2017، وثيقتها السياسية الّتي تضمنتْ اعترافًا بحدود عام 1967 كحدود للتسوية، بل إنّ ما نشره القيادي الحمساوي أحمد يوسف خلال العام الحالي، يُعتبر صادمًا لكل من يعتقد بصدق شعارات حماس  بالتحرير القريب، فأقوال يوسف تُعبّر عن حقيقة موقف حماس تجاه عملية التسوية، حيث تعاطت الحركة بحسب قوله، مع مشروع “غيورا آيلاند” المرفوض فلسطينيًا ومصريًا، ففي حواره مع موقع “دنيا الوطن” الإخباري، فضحَ يوسف بعض المخفي في سياسات الحركة بقوله: “إنه في العام 2009، حملتْ جهات أوروبية، اجتمعت مع أطراف من الحكومة، مقترحات لدولة في قطاع غزة، تمُر من سيناء وتصل حتى حدود الأردن”، وأضاف يوسف، أنّ تلك المشاريع هي إسرائيلية، والهدف آنذاك كان توسيع غزة تجاه الجنوب، وتعويض مصر بأراضٍ أخرى بدلًا من أراضي سيناء، من أجل ربط غزة بالأردن، مع بعض أجزاء من الضفة الغربية، عبر مشروع “غيورا آيلاند”. وعن مساحة تلك الدولة، قال يوسف: «إن المساحة كانت كبيرة ومعقولة، تسمح لغزة بالتوسع، وعدم الاكتظاظ الموجود حاليًا». وعن موقف حماس ازاء العرض قال يوسف: «نحن بدورنا رفعنا هذا المقترح إلى مصر، عبر مسؤول ملف الخارجية آنذاك محمود الزهار، وكنا سويًا نتواصل مع الأطراف المختلفة، حول المبادرات المُقدمة، ومجلس الوزراء بقيادة هنية، يناقشها»، رافضًا الكشف عن تلك الدول التي قدمتْ مشاريع الدولة الفلسطينية، لكنه أكّد أنها أوروبية، وليست عربية. وطالما رفع الموضوع لمصر فإن ذلك يعني أن حماس وافقتْ عليه شريطة موافقة مصر التي على مايبدو رفضت العرض فأجهضته.

 

التّمسك بقطاع غزة والإصرار على حكمه، يعني فيما يعنيه لحماس، أنّ هناك أملًا لحكم الإخوان (وهذا هو الهدف الأسمى عندما تصبح الأيديولوجيا أهم من الوطن) ، قد يستمرُ ويلقى هذا الموقف تأييدًا قطريًا تركيًا، ودعمًا واسنادًا من التنظيم الدولي، لكنه يصطدمُ برفض سعودي إماراتي مصري، ومن السلطة الفلسطينية. وفي محاولة للعب على الحبال بإعادة التموضع، حاولتْ الحركة الإخوانية الفلسطينية، تقديم الولاء لإيران ومحورها، ففي تصريح خطير أكّد نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري، أنّ حركته “تقفُ في الخط الأمامي للدفاع عن إيران ضد أي اعتداء أمريكي أو إسرائيلي”. وقد حاولتْ الحركة استمالة الجمهورية العربية السورية، إلا أن الأخيرة وعلى لسان رئيسها رفضت رفضًا قاطعًا إعادة العلاقات معها واصفًا إياها بالخائنة.

 

كدّستْ الحركة عددًا وعتادًا، أقامت جيشًا بالآلاف، عبأتهُ بأن تحرير القدس وفلسطين هدفه، ووضعت خططًا وبرامج معلنة ومواقيت، لكن الأفعال على الأرض تختلفُ تمامًا عن المعلن، فقد طلبَ منها السفير/ المبعوث القطري العمّادي، الالتزام بالهدوء للحصول على المال والتزمت، لكن إذا تأخّر تبدأ بعمليات الضجيج، وما يسمى ارباكًا ليليًا للعدو ومستوطناته على حدود قطاع غزة، بل والطلب من تفريخاتها التنظيمية إطلاق الصواريخ، وتنفيذ عمليات تسلل عبر الحدود، تحت شعار “ادفعوا وإلا..”، وقد نجحت الحركة في سياسة الابتزاز المالي المدفوع عربيًا لإرضاء إسرائيل أمنيًا وسياسيًا، وذلك تسمّيه عناصر حماس إنجازًا لها وانتصارًا، لكن إذا كان ذلك سيسمى إنجازًا فهو  ليس لها وحدها، بل لنتنياهو أيضًا، فهو المستفيد الأكبر من تلك العملية، كما يقول هو وبصريح العبارة..

 

ما الّذي جنتهُ حماس من حكمها لقطاع غزة؟ الجواب: مال وسلطة على أشلاء الناس وعذاباتهم دون أي إنجازٍ يذكر، فقد زعمت أن انقلابها هو لتصحيح المسار  الذي اتهمت فيه منظمة التحرير بالتفريط والتنازل والخيانة، لكنها بالمقابل قلدت المنظمة في  مساوئها وليس في محاسنها،  وقد قتلتْ في داخل الغزيين حب الحياة، قتلت في داخلهم ذاك الاستعداد الوطني الذي تميّزوا به على مرّ الأجيال. انتشرتْ في القطاع ظواهر غريبة أبرزها التّسول، كان الناس يحلمون بالاستقلال عندما انتفضوا في انتفاضتين، اليوم وبفضل الفساد والرياء السياسي والدجل الديني، يبحثون عن خلاص لأرواحهم فقط، حماس تعيشُ الأزمة وتنكرها، مازالت تحكمها القدرية السياسية، إلى متى سيبقى هذا الحال الذي لن ينفع معه زيارة البيوت ودوواين العائلات، وتقبيل لحى الوجهاء؟ هناك أزمة وطنية كبرى ليست فقط بفعل المؤامرات الخارجية بل من فعل أيدي فصائل العمل الوطني والإسلامي، بفعل ترجيح الخاص على العام، التنظيمي والإيديولوجي على الوطني الفلسطيني، ما لم تعترف حماس بغيرها من الفصائل وبوجودها  ستزداد الأزمة تأزمًا، وغزة وأهلها من سيدفعون الثمن والقضية الفلسطينية بشكل عام.

 

*مفكر وباحث فلسطيني