د. علاء أبو عامر يكتب: ضرب الناقلات.. من يسعى للحرب؟

 

إنفجار ناقلتي نفط عملاقتين قبالة ساحل خليج عمان، هو الحادث الثاني خلال فترة زمنية قصيرة، الذي تُضرب أو تُفجر فيه ناقلات نفط، إذ كانت أربع سفن أخرى قد تعرضت قبل شهر من الآن لعمليات تخريبية قبالة إمارة الفجيرة (خارج مضيق هرمز) الشهر الماضي، ومن بي هذه السفن ناقلتا نفط سعوديتان وناقلة نفط نرويجية وسفينة شحن إماراتية.

 

السؤال: من الذي يسعى إلى تصعيد الأمور لجر المنطقة إلى الحرب، التي إن اشتعلت لن ترحم أحداً على ضفتي الخليج العربي؟ هل هي إيران التي طالما هددت أنها إن حُرمت من تصدير نفطها فلن تسمح لأحد آخر بتصدير النفط من الخليج إلى العالم؟

 

هل هي إيران وقد فُرضت عليها العقوبات، قد نفذت الوعيد؟

 

بالمنطق، هذا جائز بل جائز جداً، فعندما يتم التهديد وتُنفذ جريمة ما تتعلق بالتهديد، فإن أول من يُتهم هو مُطلق التهديد، حتى قبل أن يتبين من خلال التحري من هو الفاعل الحقيقي، فالذي يُهدد ويتوعد يبقى مشتبهاً فيه أول، بل ومتهماً إلى أن تثبت براءته، هكذا هو البحث الجنائي يبحث أول ما يبحث في الدوافع.

 

والدوافع الإيرانية هنا كثيرة، فقد مُنعت إيران من تصدير نفطها، وفُرضت عليها عقوبات شلت إقتصادها، وقد تقود تلك العقوبات إلى مجاعة بين سكانها، وما يُعرض عليها للتفاوض حوله هي شروط  تعني ركوعاً للإرادة الأمريكية الصهيونية، ولإرادة جيرانها الإقليميين، وهذا من الناحية المعنوية وعزة النفس والكرامة الإيرانية كما يُعبر قادة ايران دونه الموت.

 

الطرف الآخر الذي لديه الدافع لشن الهجمات على ناقلات النفط، هم جماعة الحوثي فقد تصادف ضرب أربعة من ناقلات النفط في الفجيرة، مع هجوم شنه الحوثيون على أنابيب نفط شركة أرامكو بطائرات مسيرة، ربما هي صدفة وربما لا؟

 

ولكن من الممكن أيضاً أن تكون الهجمات متكاملة وتهدف إلى استنزاف السعودية والإمارات، والهجوم الحوثي إن كان قد حصل فعلا من قبلهم فهو  يخدم بالدرجة الأولى إيران أيضاً،  وفق ما بيناه أعلاه.

 

لكن هنا يطرح سؤال:

إذ رغم كل الإعتبارات التي سقناها للشك بأنها الفاعل، فإن إيران في الحادث الأخير إن كانت هي من أقدم على الفعل فذلك عمل يندرج ضمن الغباء السياسي، كون رئيس الوزراء الياباني “شينزوا أبي” هو الزائر وهو الوسيط المكلف من قبل دونالد ترامب، هل ضرب إيران أو المجموعات التابعة لها في المنطقة باخرة يابانية محملة بالنفط،  يخدم المصالح الإيرانية رغم إصرار الياباني على القول أن بلاده ستواصل شراء النفط الإيراني؟!

 

هل الإيرانيون بهذا الغباء ليأمروا أذرعهم ومنها الحوثي وغيره بإفساد الوساطة اليابانية وغيرها من الوساطات كي يبرروا استمرار العقوبات؟، بل وربما شن الحرب عليهم من قبل الولايات المتحدة وحلفائها؟.. الأمر يبدو مريباً حقاً.

إذن من المستفيد الذي له مصلحة بإغلاق باب التفاوض مع إيران ويتمنى ضربها، الجواب التقليدي هو إسرائيل، هذا جواب أي متابع للمشهد فإسرائيل تُحرض على ضرب إيران منذ سنوات وتعتبرها وحلفاءها عدواً أولاً.

وهي و”لوبياتها” تُحرض ليلاً نهاراً على فعلٍ ضدها يؤدي إلى وقف برامجها التسليحية ومنها النووي والصاروخي، وتحجيمها أيضاً مادياً، حتى لا تمتلك القدرة على تمويل حلفائها في لبنان وقطاع غزة. إذن قد يكون المعتدي هو إسرائيل، وهذه التهمة وجهتها إيران لعملاء إسرائيل بأنهم من يسعون لتفجير حرب في المنطقة يستفيدون منها، لذلك دعت دول المنطقة لتوقيع معاهدة عدم اعتداء حتى لا تبقى المنطقة تحت رحمة المخططات الصهيو أمريكية التي تستخدم إيران كفزاعة تُخيف بها دول الخليج لتمتص خيراتها وتُبعد العرب عن مواجهة عدوهم الحقيقي وهو كيان الصهاينة.

 

أي من السيناريوهات سالفة الذكر، هي الأكثر ترجيحاً؟

 

من الصعب الجزم، لكنها جميعاً واردة.

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى هناك في الولايات المتحدة نفسها من يسعى أيضاً لإشعال الحرب مع إيران، وذلك بُغية إسقاط نظامهانظ وهو بالمناسبة ما يحدث مع نظام مادورو في فنزويلا، وبالتالي سرقة خيراتهما النفطية وجعلهما دولاً تابعة، تدور في الفلك الأمريكي،  كما فُعلَ مع العراق وليبيا، فـ “جون بولتون” مستشار الأمن القومي هو من أكثر الداعين لشن حرب على إيران، وقال في وقت سابق “إن أقوى العقوبات في التاريخ ستبقى مفروضة على إيران ما لم تمتثل لمطالب الولايات المتحدة.

 

مجموعة العمل الإيراني (IAG) التابعة لإدارة ترامب، والتي تشكلت في أغسطس من العام الماضي ويقودها مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية “براين هوك” ، الذي يعمل بنفس صفة “إليوت أبرامز” في فنزويلا تدور مخططاتها حول إسقاط حكومتها.

 

وتدعو الخطط القديمة إلى إعادة كلا البلدين إلى وضع الدولة العميل للولايات المتحدة ، إلى جانب السيطرة على احتياطياتهما الضخمة من الطاقة.

 

وقد كان مستشار الأمن القومي  “بولتون” طلب من البنتاغون إعداد خططاً للحرب على إيران وفنزويلا، وهي إستراتيجيته المفضلة ضد الدول في قائمته المستهدفة لتغيير النظام.

 

لكن وجب الملاحظة، أن ما يسعى إليه الصقور في الإدارة الأمريكية أمثال “بولتون وبومبيو”، مخالف لما يريده الرئيس ترامب الذي يسعى إلى تحطيم إيران إقتصادياً دون اللجوء إلى عمل عسكري وفرض شروطه عليها، والعمل العسكري بحسب ما يُعلن عبر تغريداته على تويتر، خارج إستراتيجيته المعلنة.

 

لكن ماذا لو كان ما حصل هو رد فعل أمريكي لرفض اية الله خامنئي قبول استلام رسالة ترامب التي حملها شينزو آبي على الهواء مباشرة ورفض التفاوض مع الولايات المتحدة  مالم تلتزم  بالاتفاق النووي وترفع العقوبات عن بلاده، فقد مثل ذلك إهانة للغطرسة الأمريكية.

لكن ماذا ستستفيد أمريكا في حال زعزعة أسعار النفط واتهام ايران بالعمل؟ من الواضح أن في ذلك ضغطا على أوروبا التي مازالت تسعى للحفاظ على الاتفاق النووي وتبحث عن وسائل للالتفاف على العقوبات الأمريكية، كذلك هذا العمل في مضمونه تخويف لدول الخليج العربية من إيران بجعلها طرفاً معتدياً على ناقلات النفط وأداة لعدم الاستقرار، وبذلك تزداد طلبات الحماية الأمريكية ومزيد من صفقات شراء الأسلحة، ومزيد أيضا من التقارب والتطبيع مع إسرائيل وجعلها حليفاً استراتيجياً لهذه الدول في مقابل إيران، وربما وهذا هدف آخر للإستراتيجية الأمريكية الصهيونية، هو محاولة إبعاد دول الخليج عن القضية الفلسطينية ومركزيتها في الضمير العربي.

 

من الذي فعلها؟

من الواضح أن كل الأطراف الملتحمة في الصراع  لديها أسبابها للقيام بهذه الأعمال الإرهابية، وماهو قادم، قادم، لا محالة، ربما يكون من الصعب السيطرة عليه إذ سيقود حتماً إلى اشتعال حرب بين ضفتي الخليج، قد لا تكون شاملة لكنها كافية لعقد صفقة بين الأطراف المتصارعة، حرب ليست قريبة لكن التسخين والتحضير لها قائم، وما هذه الحوادث إلا الشرارات الصغيرة التي ستقود إلى الاشتعال الكبير.

 

*باحث ومفكر عربي فلسطيني