د. علاء أبو عامر يكتب: هدنة بلا اِنتصارات

عندما تصبح الويلات اِنتصارات فنحن أمام أشخاص أحلامهم في الجنة المتخيلة لا في الدنيا التي نعيش. ليس فيما حدث إلا ويلات ستتبعها أخرى، هناك بطولات، هناك إرادة حياة، هناك تشبث بالحق كل ذلك حقائق، لكنها ليست جديدة بل قديمة متكررة يُسجل فيها الفلسطيني حضوره الفريد عبر مقاومة العين للمخرز، عبر ثنائية التمرد على الواقع ومحاولة تغييره رغم قساوة الظروف.

مصطلح (مقاومة)، مصطلح دخل التراث الفلسطيني مع حركة فتح وكان يرادفه مصطلح ثورة ، مصطلح ثورة بالطبع لا ينطبق على الواقع الفلسطيني فالثورة هي تغيير جذري في واقع فاسد وهي صفة للاحتجاجات التي تصل ذروتها بتحقيق هدفها  وهو الثورة أي التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في بلد ما، أما مصطلح مقاومة فهو يعني دفع ودفاع وهو مصطلح لا ينطبق على الواقع الفلسطيني، مصطلح خادع،  حيث المفروض أن شعباً أرضه محتلة  مسمى فصائله يجب أن يبقى “حركة تحرر وطني”، لا مقاومة: المقاوم يقاوم للدفاع عما هو تحت يده، وهذه وصفة للحفاظ على ما هو موجود لا تحرير ما فُقد.

لا اِنتصارات هنا، لا شيء من هذا القبيل، الذي نراه تشييع شهداء وبكاء خلف الأكف وفي زوايا البيوت المهدمة، في صباح التهدئة أو الهدنة الجديدة، سيعود الجوعى والفقراء، ليطرحون اسئلة ما قبل الأمس، اسئلتهم  التي  يطرحونها كل يوم على أنفسهم، ماذا سنفعل بيومنا؟ كيف سنؤمن غذاءنا ودواءنا وكساءنا؟

أما الباقي، فهو تفاصيل سيخطها أنصار المقاومة، وخصومها، وأعداءها، ستُكتب المقالات، وسيكتب فيها أحدهم مقارنة لافتة،  مُلخصها أن الفرق بين رام الله وغزة، يتلخص في أن “غزة تقاوم بينما الضفة تساوم”. وهذا داعٍ من دواعي فخر الغزيين على ابناء جلدتهم أحياناً، لكن الحقيقة تقول أن بين مقاوم يساوم، ومساوم يقاوم بالسياسة، لا فوارق، الفوارق هنا معنوية طالما أن النتيجة هي إنتصر الأحتلال وحصلنا على الفتات.

لا اِنتصارات هنا بل ضياع فكرة التحرر وبقاء فكرة الحفاظ على الوجود وهذه لا تحتاج إلا إلى إرادة ، فعلها فلسطينيو ال٤٨ وبقوا هناك،  بقوا حين هرب الآخرون بدافع النجاة من الموت، أو رفض حكم العدو المحتل،  لم يملك فلسطينيو ال ٤٨ الذين بقوا في وطنهم وقتها سوى قبضاتهم العارية وحناجرهم التي انتجت أجمل أشعار حب الأرض والدعوة لتحريرها.

واليوم الشعارات “بقاءنا في الأرض مقاومة في حد ذاته”، “الحفاظ على قياداتنا هو قمة المقاومة”، “الحفاظ على كيان منظمة التحرير هو إنجاز”، “الحفاظ على سلاح المقاومة هو انتصار”.

إذا كانت المقاومة هي الحفاظ على الوجود والتمسك بالأرض فلا داعي للجعجعات والتباهي يكفي أن نريد وسنبقى.

طرحت حركة المقاومة الإسلامية حماس مصطلح الهدنة طويلة الأجل كحل مؤقت للصراع بدل توقيع اتفاق سلام ، هذا الطرح كان للشيخ المجاهد أحمد ياسين الأب الروحي لحركة حماس ومؤسسها، وهو الطرح الذي ما زالت الحركة تتمسك به، وتطرحه بديلاً عن أوسلو وغيره من الاتفاقيات، وهو مصطلح يقصد منه الحصول على الأرض أي أرض وربما الضفة وغرة أي الأراضي التي أحتلت عام ١٩٦٧ مقابل منح العدو سلاماً مؤقتاً لا عنف فيه لمدة محدودة، قد تكون سنة أو خمسة وعشرون سنة أو خمسين سنة …الخ.

لكن الهدنة هي مطلب الصهاينة أولاً وأخيراً، فالهدنة تمنح العدو الوقت ليبني ويطور ويعزز ويراكم، والهدنة هي فاصل لجولة ستتبعها جولات، لن يُحسم شيء  في هذا الصراع ، ليس مطلوباً  صهيونياً أن يُحسم شيئاً، الحفاظ على عدم الأستقرار وتوتير الأجواء في هذه المنطقة هو أحد أهداف إنشاء هذا الكيان من قبل المستعمرين الأوروبيين،  الإبقاء على الوضع الراهن وتأبيده هو الهدف الصهيوني.

لذلك مصطلح الهدنة هو الذي حافظ على وجود الكيان منذ اتفاقات رودوس عام ١٩٤٩ وهدنة عام ١٩٦٧، مروراً بالكيلو ١٠١ في مصر عام ١٩٧٣ إلى هدنة الجولان المستمرة منذ ٤٦ عام، إلى أتفاق أوسلوعام ١٩٩٣ الذي يعتبر أطول هدنة  فلسطينية كسرتها انتفاضة الأقصى عام -٢٠٠٠-٢٠٠٥ ، لنعود للألتزام بهدنة في الضفة عام ٢٠٠٥  أصبح عمرها ١٤سنة وهي خارج أتفاق اوسلو الذي انتهى عام ١٩٩٩لكنها ضمن تفاهمات حتى إشعار آخر، وهدن غزة المتكررة ذات التسهيلات التي يُمسك من خلالها العدو بعنق غزة (المحررة).

الهدنة هي مطلب صهيوني، لأن إسرائيل هي الأقوى، والهدنة هي التي منحت إسرائيل الأعتراف المتراكم من خلال بناء الوقائع في تثبيت  وجودها، وبالهدن المتكررة تحولت إسرائيل إلى حقيقة واقعة أعترف بها العرب، لذلك الهدنة هي مصطلح يفيدها، هي ما يخدمها، فهي من خلاله تفرض وتراكم وقائع سياسية وغيرها، ونحن في المقابل كقادة فصائل فلسطينية أصبحنا نراكم مالاً خاصاً وترفاً ومواكباً (بلا شرف).

وأصبح واقع انتصاراتنا الفارغة  يكلله شعار “يحيا القادة ويموت الشعب”.

وتحولت أعظم انجازاتنا منذ الخروج من بيروت عام ١٩٨٢ وصولاً إلى صباح ٦/٥ عام ٢٠١٩ في غزة هو أن يموت الشعب ونحافظ على القيادات! هو الأنتصار، فطالما القيادات بخير، نحن لازلنا بخير !

لاشيء يدعو للفرح

بينما يحتفل البعض (بالاِنتصارات) هناك من يقف على أنقاض بيته باكياً ، لقد أصبح بلا مأوى، تحت الأنقاض كانت هناك حياة، كان هناك ذكريات كثيرة، كانت هناك رائحة من غادروا، ومن بقوا.

وغير بعيد هناك أم تبكي أطفالها ، وطفل يبكي أمه، وأرملة جديدة تضاف إلى سجل الأرامل وأيتام جدد يضافون إلى سجل الأيتام.

لا اِنتصارات هنا، فلا شبر تحرر، ولا إنسان عاد، لا شيء، اليوم هو الأمس، اليوم كما الأمس، الجديد القديم المتكرر ، سيركب القادة سياراتهم الفارهة ، وسيتراكض مرافقوهم لفتح الأبواب لهم، وسيتراكض السذج ليلتقطوا الصور معهم سيبتسمون ويبستمون.