د.مصطفى سليم يكتب: صلاح فضل ومعركة التجريب النقـدي

كتب الناقد المصري الدكتور صلاح فضل كتاب “لذة التجريب الروائي” فى 2005 ، قدم خلاله قراءة نقدية لـ32  رواية، فهل يحق لى ونحن نحتفى بشيخ النقاد العرب، والأب الروحى لإسهام مدرسة النقد المصرية منها بما عنونته  بـ”معركة التجريب النقدي”، ولماذا هذا العنوان الموحى والدال على الاشتباك، والرجل قدم للقارئ العربي عصارة “لذة التجريب الروائي”، يبدو لى أنه ليس هناك ضرورة أو سياق ملزم يجعلنى أقفز إلى الإجابة المباشرة دون أنت أتطرق إلى منجز شيخ النقاد العرب وتأثيره وإسهامه فى المشهد الثقافى الراهن، وما أثار من جدل، وضخ من دماء جديدة فى جسد نظرية النقد لدينا ليخرجها من الركود والتمركز حول التراث، لتتمتع بقدر من المعرفة تستطيع عبرها إضافة مسيرة نقدية جديدة.

الناقد المصري الدكتور صلاح فضل

دعونا نذهب لتاريخ قديم نسبيا، حيث البدايات، تحديدا عام 1978، وهو العام الذى طرح فيه الدكتور فضل باكورة إنتاجه النقدى، منهج الواقعية في الإبدع الأدبي”، و”نظرية البنائية في النقد الأدبي”، سنختص الأخير بالذكر لما أثاره من جدل آنذاك، وقد يكون إلى اليوم وفقما سنبين.

استقبل النقاد الكلاسيكيون المحافظون النظرية بمواجهة حادة،  وكال عدد من الأساتذة الاتهامات حول النظرية، وكانوا حريصين على تصنيف صاحبها بالماركسية، وأثاروا شغبا نقديا لايزال يتردد صداه إلى اليوم، دون أن يقدموا تطويرا أو إسهاما يذكر، أو أن يجرؤ أحد تلامذتهم ويقدم مراجعة تذكر لما استنوه فى نظرية النقد ويصوب خطى الأساتذة بعدما ضلت، فوصلنا لمرحلة فوضى المنهج، التى نعانى منها إلى اليوم، فلا هم طوروا القديم ولا خطا أحدهم بمناهج الحداثة خطوات تذكر بتأسيس معرفى متراكم، يسمح بتقديم ما يسمى مجازا بالإسهام العربي فى المشهد النقدي، ولازلنا نعيش على صدى معارف ما ذكره أساتذة الحداثة وفى مقدمتهم الدكتور صلاح فضل، وإن كان القدر رحيما بنا فنرى من وقت لآخر دراسة أو مشروعا نقديا واعيا وطموحا وجادا، وهو ما يصل أيضا لمرحلة الندرة.

 

 

فضل وناقدوه

انهالت الاتهامات من هنا ومن هناك، من القريب قبل البعيد، ولكن “الزمن أعظم النقاد”، فصلاح فضل كان لديه ما يقوله حقا، وما يطرحه بقوة على الساحة لأن يتبوأ مقعد شيخا للنقاد العرب، مسيرة فضل النظرية وما تبعها من تطبيق على مئات الروايات العربية ألقم الكثيرين حجرا بتعبير أهل التراث العربى.

سطر عدد من الأساتذة الكثير من النقد فى حق البنيوية وهم يجهلون مضمونها، كل ما فى الأمر أن مجرد تصريح إعلان الدكتور فضل عن مصادر أثار لديهم فوبيا الغرب إن صح التعبير، فمجرد سماع أسماء أعجمية استفزهم، إذ أين الجاحظ وعبد القاهر الجرجانى، وابن طباطبا، وغيرهم، وما هذا الجديد الذى يتكلم به فضل، وكأن الرجل جاء ليعلن نبوة جديدة ولا يعمل بحقل معرفي يختص بالنقد موضوعا ودراسة وتحليلا ومنهجا.

 

أشيـــرٌ هنا، على سبيل المثال لا الحصر، إلى ما كتبه الدكتور عبدالعزيز حمودة، رحمةُ الله عليه، فى ثلاثيته النقدية، وبناها على بعض القراءات البنيوبة غير الناضجة، وقد انحازت دراسته من البداية ضد مناهج الحداثة شأنها في هذا شأن غيرها من الدراسات النقدية في هذا الشأن، وهى كثيرة، وقد كان الدكتور حمودة محقا نسبيا عن بعض هذه الدراسات إذا ما قرأنا ما رصده من غموض وضبابية فى المصطلح والحدود لدى الدرسات البنيوية التى رصدها، وإذا ما وضعنا فى الاعتبار أيضا ما قاله الدكتور كمال أبوديب عن صنيعه مع  معلقة امرئ القيس، حينما سئل عنه فأجاب: “هذا خطأ الريادة، عليكم تداركه”.

لكن الحق أيضا يقال إن الدكتور حمودة لم يتعرض فى دراسته إلى ما كتبه الدكتور صلاح فضل عن البنيوية، وأزعم أن مثل كتابات الدكتور فضل فى هذا الشأن ستنسف طرح حمودة، لذا كان عليه تجنب دراسة البنائية لفضل، وللأمانة هما لم يشتبكا نقديا آنذاك، وأذكر أن الدكتور فضل نأى بنفسه عن نقد الثلاثية حينما سألته فى حوار صحفى ذات يوم وأخبرنى أنه “لم يشبك مع الدكتور  عبدالعزيز حمودة، وبما أنه قد مات ولم أشتبك معه فى معركة خلال حياته، لأننى لست مولعا بالمعارك فلم أنتهز موته لكى أتصارع معه، هذا غير نبيل؛ ولذلك لن أعلق”، وتابع “لكن يشهد الله بأننى فى حواراتى معه، وكان صديقى، شرحت له كيف أنه كان مخطئا وكيف أنه لم يقرأ ولم يستوعب الفكر النقدى العربى الحديث فى أصوله التى فتحت هذه التيارات  على وجه التحديد”.

 

هل كان المشهد الثقافى سيتغير إذ اعترف المجتمع النقدى مبكرا بمناهج الحداثة وعمل عليها بجد واجتهاد وأضاف إليها واستفاد من تطبيقها على المنجز الأدبي، هل كان البعض بحاجة للتنكر لمجهود الرجل وخلط العاطل بالباطل، وعدم الاعتراف بمجهود فضل فى الترجمة والتأليف وهو الذى حمل على عاتقه صليب الريادة والتقديم لأسماء نقاد لم يكن النقد العربى يسمع عنهم آنذاك إلا فى دوائر ضيقة.

لست أدرى ما أزمة رجل قرر أن يطور أدواته النقدية ويتسلح بالمعرفة وهو يلتزم بالأمانة العلمية ويعلن عن مصادره فيـُهاجم على هذا شفاهة دون تفحيص علمى لما رصد فى كتابه، فى وقت يتقدم أحد أساتذة دار العلوم بكتاب عن المبنى والمعنى ويوظف منجز البنيوية فى دراسته، بل ويستخدم مقارنة سوسير بين اللغة والشطرنج، دون أن ينسب هذا إلى سوسير، ويتم التعامل مع كتابه على أنه فتح لغوى جديد، (والوصف لى، ورصد المآخذ للدكتور فضل، ويمكن مراجعتها فى كتاب نظرية البنائية)، هذا رغم إشادته بالجهود اللغوية لأساتذة دار العلوم على ضوء نظريات علم اللغة الحديث، بينهم تمام حسان وإبراهيم أنيس وآخرون).

 

والحق أقول وأنا أبحث فى النقد والمناهج منذ ما يقرب من خمسة عشر عاما، هى المدة التى حصلت فيها على الماجيستر والدكتوراه، وحاورت خلالها كثيرا من النقاد بحكم عملي صحفيا أيضا، لم أجد ثمة نقدا يرتقى ويصل إلى الميزان فى حق منجز فضل، بل كان فى كثير منها مجرد “نقض”، بالضاد التى تختص بها اللغة العربية دون غيرها عن نظيرتها من اللغات، لا يهدف إلى شىء سوى التقليل من شأن من قدمه، واتهامات تقال هنا وهناك، لم تخضع لمراجعة نقدية ما.

 

على ذكر نقض، التى بمعنى الهدم، لدى هنا قصتان، القصة الأولى دارت فى نيويورك عام 1942 وقد حضر عالم الأنثربولوجى ليفى شتراوس محاضرة لرومان ياكوبسون عن اللغة، (وياكبسون، ناقد أدبي روسي، أسهم بنقلة نوعية فى نظرية سوسير عن اللغة، وأكد منهجيته فى كونها مدخلا رئيسيا لدراسة الأدب)، وكان شتراوس يهدف إلى التعرف عن قرب عن نظرية ياكبسون ليدون لغات وسط البرازيل، ولم يكن يعلم عنه إلا القليل، واعترف بعدها فى المقدمة التى كتبها لكتاب ياكبسون ست محاضرات (ولم تنسر هذه المحاضرات حتى عام 1976): “ما تلقيته مما كان يقوم بتدريسه شيئا مختلفا تماما، ولست فى حاجة لأن أقول شيئا أكثر أهمية أكثر من أنه ألهمنى باللغويات البنيوية).

فهل كان صنيع دوائرنا العلمية مع منجز صلاح فضل على هذا النحو.

 

القصة الثانية:

دعونا نتحدث بالأرقام (بمراجعة كتاب نظرية البنائية الذى كتبه الدكتور صلاح فضل عام 1978 وبالاطلاع على موسوعة كامبريدج فى النقد الأدبي تحديدا المجلد الثامن المعنون “من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية” تحرير رامان سلدن، والصادرة عن المشروع القومى للترجمة فى 2006، أقول بهذه المراجعة نلحظ كم كان الدكتور فضل رائدا حقيقيا ومغامرا قرر اكتشاف غابة النقد، متسلحا بالمعرفة المبكرة والحقيقة عبر ما تسنى له من ترجمات عبرت بوابة إسبانيا.

 

صدر هذا المجلد فى 2006، هو 13 فصلا، حرره 10 أساتذة وترجمه وراجعة 10 آخرين، وتبنته مؤسسة بعراقة كامبريدج، هذا المجهود نهض به صلاح فضل بمفرده قبل كامبريدج بما يقرب من الثلاثين عاما، وبمجهود لا يقل أهمية فى طرحه، فماذا لو تبني المشهد النقدى رؤيته آنذاك، وإلى أى مدى كانت ستصل آفاق النظرية النقدية، وكم من الإسهامات كان سيحدث فى واقعها، لكن حدث ما حدث وعدنا نتساءل عن جدوى هذه المناهج وحاجتنا للتطوير ولدينا مدونة نقدية لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها، وفقا لبعض النقاد، فتعثر المسير.

أطلت الحديث عن نظرية البنائية، وترجع الإطالة إلى أن قصة البنيوية وما حدث معها لم تكن ببعيدة عن كثير من أطروحات الدكتور فضل فقد تكرر الأمر مع أطروحاته عن الواقعية ونظرية الخطاب، وشفرة النص وعلم الأسلوب مبادئه وإجراءاته.

 

بالأمس كرم المجلس الأعلى للثقافة في مصر الدكتور صلاح فضل، وعمليا أود ن أطرح مبادرة قائمة على المحبة الصادقة للرجل والتقدير المبنى على الموقف، كى لا يكون التكريم مجرد لفتة طيبة حسنة النية، فـ”النوايا الطيبة قد تؤدى للجحيم” كما يقول دانتى، لذا أبادر بدعوة مؤسسات الدولة المعنية بالنشر، أن تلتفت جيدا لما قدمه منجز الدكتور صلاح فضل النقدي، وتعيد نشر منجزه كاملا، نظرية وتطبيقا، لإتاحة علمه أمام الباحثين والمثقف العام بأسعار فى المتناول، دعونا نصنع شيئا ذا قيمة فتقديرنا للدكتور فضل ومنجزه هو تكريم  لنا جميعا ولوجه الثقافة المصرية، تكريم الدكتور فضل بإعادة طبع منجزه النقدي هو لجوء إلى قلعته النقدية لنحتمى بها ونعلن عن وجه من وجوه إسهام المدرسة المصرية فى ظل التطورات النوعية فى هذا التخصص الدقيق، دعونا نفعِّل المبادرة “الأعمال الكاملة للدكتور صلاح فضل”، فلعل هناك من يسمع نداء الحقيقة.

وأخير وبما أننى فتحت باب المبادرة، فأظننا بحاجة إلى “إعادة قراءة منجز هذه المرحلة النقدية، والكشف عن جهود الدكتور فضل فيها وإعادة تقدير منجزه، كل منا من منظوره ومرجعياته العلمية، علنا نستطيع أن نصل إلى شيء يذكر ونرد الجميل للدكتور فضل ولريادته ومجهوده الذى لم يقدر آنذاك، فوصلنا تراثه محفوفا بالحذر والمخاطر والمخاوف من صعوبته ومصادره الأعجمية، وفكره المنظم والدقيق والمنفتح على الآخر!!.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]