رسائل «اليد الممدودة» المغربية.. لتصحيح مسار العلاقات مع الجزائر

تترقب الدوائر السياسية في الرباط  ـ الرسمية وشبه الرسمية ـ استجابة الجزائر لرسالة العاهل المغربي، الملك محمد السادس، قبل 48 ساعة،  والتي تضمنها خطاب الذكرى العشرين لعيد العرش، عن مظاهر الحماس والتعاطف التي عبر عنها الشعب المغربي، ملكا وشعبا، دعما للمنتخب الجزائري خلال كأس أمم إفريقيا بمصر..وجدد الملك محمد السادس، مبادرة مد يده للجزائر قائلا:  «التزامنا الصادق، بنهج اليد الممدودة، تجاه أشقائنا في الجزائر، وفاء منا لروابط الأخوة والدين واللغة وحسن الجوار، التي تجمع، على الدوام، شعبينا الشقيقين».

 

«رسالة ملكية» مكررة

مبادرة العاهل المغربي، وصفت بأنها «رسالة ملكية» مكررة، لتجاوز عقود من التوتر والخلافات المزمنة بين المملكة المغربية والجزائر، وتصحيح علاقات أصبحت على «حد السكين» مع الجزائر، حسب وصف خبراء سياسيون ومراقبون في البلدين.ز ويرى الباحث الجزائري، الشاذلي بو كريم، أن العلاقات بين دولة «جمهورية» وأخرى «ملكية» سوف تبقى على «حد السيف»، وتشهد توترا بين حين وآخر منذ أكثر من نصف قرن، ويرجع السبب إلى موروثات تاريخية، وأزمات جغرافية، وتباين في المواقف السياسية، بقى تأثيرها وسوف يستمر!

رسالة محمد السادس وصلت للجزائر على المستويين الرسمي والشعبي، وأبرزت وسائل الإعلام الجزائرية، كلمات العاهل المغربي في خطاب عيد العرش، عن مشاعر الفخر والفرح بفوز المنتخب الجزائري بكأس الأمم الأفريقية مؤكدا ان هذه المشاعر  «تجسدت، مؤخراً، في مظاهر الحماس والتعاطف، التي عبر عنها المغاربة، ملكا وشعبا، بصدق وتلقائية، دعما للمنتخب الجزائري، خلال كأس أفريقيا للأمم بمصر الشقيقة؛ ومشاطرتهم للشعب الجزائري، مشاعر الفخر والاعتزاز، بالتتويج المستحق بها، وكأنه بمثابة فوز للمغرب أيضا».

  • واختتم الملك محمد السادس رسالة «مد اليد» للجزائر، بتوضيحه «ان هذا الوعي والإيمان بوحدة المصير، وبالرصيد التاريخي والحضاري المشترك، هو الذي يجعلنا نتطلع، بأمل وتفاؤل، للعمل على تحقيق طموحات شعوبنا المغاربية الشقيقة، إلى الوحدة والتكامل والاندماج».

محاولة لتجنب تراكم الخلافات والأزمات

الدوائر السياسية في الرباط ، تؤكد أن سياسة المغرب تنتهج مبادرة «مد اليد» للدولة الجارة الشقيقة الجزائر، في محاولة لتجنب عناصر وقضايا الخلافات في المواقف، وسبق للملك محمد السادس أن دعا في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 إلى انشاء آلية سياسية للحوار والتشاور بين المملكة  المغربية وجارتها الجزائر، وكان الغرض من الآلية المقترحة، وفقا لرؤية الملك، تحقيق ثلاثة أهداف وهي : طرح القضايا الثنائية العالقة على الطاولة بشفافية ومسؤولية.. والتعاون الثنائي بين البلدين في المشاريع الممكنة.. بالإضافة إلى كيفية التنسيق حول بعض القضايا الكبرى المطروحة كمشاكل الإرهاب والهجر

بينما ترى الدوائر السياسية في الجزائر، أن الوضع الراهن في الجزائر في حالة سيولة، وأن الاستجابة  لرسالة ملك المغرب ليست مستبعدة، ولكن الوقت غير مناسب لقرارات سيادية مهمة على رأس العلاقات العربية ـ العربية، وبين الأشقاء في دول المغرب العربي، فأي قرار سياسي يتطلب الاستقرار السياسي أولا عقب انتخاب  رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وفي ظل ظروف راهنة صعبة وغير مستقرة، حاصة أن التراكمات التاريخية هي أهم عوامل الخلاف بين البلدين فلو رجعنا لعقود مضت لوجدنا أن السبب الرئيسي يكمن في قضية ترسيم الحدود بين الدولتين.

 

«حرب باردة» بين الدولتين الجارتين

ويشير تقرير مركز الدراسات المغاربية في الجزائر، إلى أن ثمة ما يمكن تسميته «حربا باردة» بين الدولتين الجارتين اللدودتين، وحدودا مغلقة منذ أكثر من 27 عاما، وسجلت وقائع قطع العلاقات بين البلدين نحو 5 أزمات، وتصدرت قضية الصحراء الغربية ملف توتر العلاقات بين الجزائر والمغرب، وانعكست العلاقات المتوترة على بنيان مجلس الاتحاد المغربي وأدت إلى تجميده.. ويؤكد تقرير المركز، أن النزاع المغربي الجزائري، الذي بات أحد أطول النزاعات بين الدول المتجاورة في العالم، تعددت أسبابه من عوامل تاريخية وجغرافية وسياسية، ورغم أن البلدين تربطهما لغة وحدود مشتركتين، وثقافة متقاربة، ونضال واحد ضد المستعمر الفرنسي، إلا أن التوتر بات هو الصفة الملازمة للعلاقات بينهما، فما تكاد أزمة العلاقات بين البلدين الجارين تهدأ حتى تعود إلى الاشتعال من جديد، وسط محاولات للصلح باءت كلها بالفشل.

 

ألغام وقنابل موقوتة على مسار العلاقات المغربية الجزائرية

ويرى السياسي والمفكر المغربي، زكي مبارك، أن هناك ألغاما وقنابل موقوتة على مسار العلاقات المغربية الجزائرية، التي ساءت كثيرا مع مجيء الاستعمار، وازدادت سوءا مع رحيله، ولم يستطع السياسيون في البلدين التحرر من بقايا الاستعمار ومشاكله، ولا تجاوز الأزمة. ويؤكد أن العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية تداخلت وتشابكت وتقاطعت كلها خلال مسافات زمنية تتباعد وتتقارب، وبداية من حرب «إيسلي» التي واجهت فيها المقاومة المغربية جيش الاحتلال الفرنسي تضامنا مع المجاهد الجزائري الأمير عبد القادر الجزائري 1843 وأرغم الفرنسيون المغاربة على التخلي عن مساندة المجاهد عبد القادر الجزائري واعتباره خارجا عن القانون، ومطاردته وإلقاء القبض عليه وتسليمه.