رياض أبو عواد يكتب.. «الفيل الأزرق 2» تهويمات دون رؤية.. ومبالغات تجعل المخيف مضحكًا

تشير وسائل الإعلام المختلفة إلى تحقيق فيلم “الفيل الأزرق 2” لمروان حامد وسيناريو أحمد مراد، أعلى إيرادات موسم العيد وهذا يثير تساؤلات على أكثر من جانب أولها اختلال المعايير حول الذوق العام من جهة ومن جهة أخرى اختلال المفهوم حول دور الفن في الحياة.

أصبحت قصة الفيلم معروفة فلا داعي لإعادة سردها فالمهم هنا ماذا حقق الفيلم الذي لا يوجد أي رابط بين مفاصله واستند بشكل أساسي على جزئه الأول الذي عرض قبل أعوام المستند بدوره على رواية حملت نفس العنوان للكاتب أحمد مراد، وهو واحد منمن استطاعوا أن يعيدوا شريحة واسعة من المراهقين إلى القراءة.

وهو نفس الكاتب الذي اختلف حوله النقاد بين اعتباره مبدعا أو ناقلا ولايحمل أي إبداع واعتباره كاتبا متواضعا وكاتب سوق وهذا لا يهمني فما يهمني في هذا المجال التجربة المشتركة بين المخرج مروان حامد وأحمد مراد أنتجت الجزء الأول من فيلم “الفيل الأزرق” والذي وجد نجاحا جيدا حين عرضه، وقد كان مختلفًا مع مضمون الأفلام القليلة التي أنتجت في فترته الزمنية عام 2014 وهذا ما ساعده على النجاح.

استمرار التجربة في الجزء الثاني من “الفيل الأزرق 2” التي يقال أنها حققت أعلى إيرادات الموسم، جعل من المخرج والمؤلف ثنائيا ذهبيا في مسار هذا الموسم السينمائي فهل هذا يعني أن الفيلم الناجح في الإيرادات كان ناجحا في أن يعبر عن رؤية وأن يقدم حبكة ممتعة يتابعها الجمهور فعلا أم أن صدى النجاح الأول ترك أثره، أم أن عدم فهم ما الذي يريده المؤلف والمخرج هو الذي شكل تحديًا للإقبال على الفيلم.

أنا لا أرى أن النجاح الاقتصادي رغم أهميته في صناعة السينما هو الذي يشير إلى فنية الفيلم والرؤية التي يقدمها؛ فهو على الرغم من نجاحه تقنيا في تجربة حامد الجديدة، وأتاح المجال لاستعراضات مروان حامد في تطوره التقني والبصري إلا أنه فشل تماما في خلق رؤية وحبكة متكاملة للفيلم مع فقدان القدرة على التواصل بالنسبة للجمهور في متابعة هذه التهويمات التي كتبها مراد وأخرجها حامد.

وهذه التهويمات إن كانت في الرواية أو في الجزء الأول والجزء الثاني من الفيلم كانت إسقاطات وقراءة أولية تدلل على التهويمات التي تعيشها الطبقة المتوسطة وتحديدا جيل الشباب رغم استخدام الفيلم لشخصيات مختلفة في العمر مثل الفنان كريم عبد العزيز وخالد الصاوي وغيرهم في تقديم هذه الشخصيات الشبابية.

بعيدًا عن الأسئلة التي يرفضها البعض حول الهدف أو الرسالة، هناك الكثير غير المقنع في بناء الشخصيات ولا يوجد خط درامي واحد أو مسار حياة واحد متسق، ولا يوجد شخص متزن أو متحكم في مصيره. الأشخاص مثل الريش الذي يطير في الهواء بنفخة من عفريت.

هل وجدت هذه التهويمات والخطوط الدرامية المقطوعة جمهورها لأنها تعبر عن جيل الشباب من الطبقة المتوسطة الذي يعيش حالة من الضياع والتناقض ما بين التراثي الديني الغيبي وواقع الحياة المعاصرة المتقدمة بشراسة نحو الأمام؟

هل صادف الفيلم توقيته الجيد في هذا الوقت الذي يتراجع فيه دور الطبقة المتوسطة ثقافيا وعلميا وسياسيا واجتماعيا وتتعرض للإحباطات اليومية إن كان ذلك سياسيا أو اقتصاديا؟ هل أصبح تراجعها منتظما بتأثيرات واسعة للفكر الغيبي الديني رغم تناقضها مع الحياة المعاصرة مما يخلق شخصيات ونفسيات تحمل هذا التناقض إلى أبعد بداياته في تهويمات تقتل الوعي وتتجه إلى الحضيض؟!

تأتي الرواية والفيلميين ضمن نفس الإطار إلا أنها بدلا من ممارسة النقد تجاه هذا التناقض تعززه وتعمل على تزييف الوعي من جديد في نوع من انتصار الغيبي على العلمي كما حصل عندما ينتصر الجن على الإنساني في ظل جمالية بصرية قتلت روح الخلق والإبداع بالضمان الاجتماعي لمصلحة التشويق البصري وتغييب الوعي.

يتبين ذلك من خلال أن تناول أي مادة تغيب عن الوعي تستخدم في إسقاط فني يعمل على تعميق الوعي نتيجة الانتقال المعرفي إلى أعماق أفضل وتخلق حلا لأبعاد الإشكالات النفسية لابطال الحكاية الا انها في حالتنا تزيد الضياع ضياعا ولا تقدم رؤية تخلق تماسكا في هلامية الفيلم وهلوساته وأداء الممثلين المبالغ فيه إلى درجة أصبح فيها الرعب مضحكًا.

وإذا صدقت الأنباء التي تشير إلى امكانية إنتاج جزء ثالث من الفيلم وهذا ما لا أتمناه لأني أعتقد أن تجربة الثنائي الذهبي انتهت هنا في هذه التجربة تحديدا ويبدو أن سقف الجزء الثالث لن يخرج عن هلوسات الجزء الثاني بل ستستمر تهويمات وتساقطات الطبقة المتوسطة التي تنازلت عن دورها الثقافي والدور التاريخي في قيادة حركة النهوض والتحرر من شرور العبودية الإنسانية.