رياض أبو عواد يكتب: تأتون من بعيد.. بطولات وأحزان منسية

بإمكانيات متواضعة استطاعت المخرجة المصرية أمل رمسيس تقديم فيلم سيبقى طويلاً في الذاكرة. يصور فيلم  «تأتون من بعيد» حياة عائلة فلسطينية، عبثت بمصائرها أحداث القرن العشرين، من الاحتلال الإنجليزي إلى الإستيطان اليهودي في فلسطين إلى الحرب الأهلية الإسبانية، وأضاءت على خيارات مدهشة اتخذها أبطال الحكاية.

عرض الفيلم مؤخرًا  ضمن فعاليات مهرجان الإسماعيلية الدولي للسينما التسجيلية والروائية القصيرة. وتقول المخرجة إن الصدفة أوقعت هذه القصة بين يديها و دفعها لإنجاز هذا الفيلم ؛ فخلال دراستها في إسبانيا بدأت بحثًا عن  المشاركة العربية في الحرب الأهلية الإسبانية الى جانب الجمهوريين اليساريين خلال ثورة 1936 في اسبانيا، كان المعروف لها فقط دور الجنود المغاربة الذين استعان بهم فرانكو الديكتاتور الاسباني لسحق الجمهوريين في حرب استمرت أكثر من ثلاثة سنوات.

وحصلت على بداية معلومة عن المناضل الفلسطيني نجاتي صدقي وكانت بداية انطلاقتها للبحث حتى وصلت الى ابنة هذا المناضل حيث بدأت تصوير لقطتها الأولى من الفيلم من خلال شهادة الابنة، ثم تتبعت خيوط قصة الأسرة،  واستغرق جمع مادة الفيلم وتصويره  ما يقارب من 14 عاما. واستطاعت أن تقدم من خلاله صور من علاقات إنسانية متشابكة بين أفراد أسرة مزقتها الحروب والثورات المتتالية، وكذلك الخيارات والقرارات الشخصية التي لا تخلو من القوة والمغامرة، ولا يستطيع أن يقدم عليها الكثيرون.

معرفتي ان هناك مناضلا شيوعيا فلسطينيا هو نجاتي صدقي قدم لي معلومة جديدة لم اعرفها عن مثل هذه الشخصية الفذة التي لعبت دورا مهما في الحركة الشيوعية محليا على صعيد فلسطني وعربي بقيادته منظمة شيوعية في سوريا ودوليا من مشاركته في الحرب الاهلية الاسبانية بطريقة فعالة الى جانب الشيوعين الاسبان.

كانت المعلومات الشائعة عن قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني تشير إلى أسماء شهيرة مثل إميل توما واميل حبيبي وتوفيق زياد، كما لم يكن معروفًا مشاركة مناضلين عرب الى جانب الجمهوريين في الحرب الاهلية الإسبانية، كانت الإشارات تقتصر على مشاركة جنود مغاربة الى جانب فرانكو وقوات الفاشية في سحق الجمهوريين الذين كان من ابرز افرادهم الشاعر الاسباني لوركا.

وفي حديث خاص مع المخرجة امل رمسيس قالت إنها اكتشفت  خلال بحثها مشاركة اكثر من ألف مناضل عربي جاء غالبيتهم من الجزائر وتبعهم اخرون من دول اخرى الى جانب فلسطين لبنان وسوريا وتونس والمغرب.

يصور الفيلم تشابكات الاحداث بعد عام 1930 الذي شهد انجاب المناضل الفلسطيني صدقي نجاتي ابنته الكبرى دولت من مناضلة شيوعية يهودية اوكرانية تخلت عن رؤية عائلتها التي جاءت لاستيطان فلسطين. نرى ثورة 1936 في فلسطين التي قدمت للبشرية نموذجا لاول عصيان شعبي بأطول إضراب عرفه التاريخ لشعب بكامله والذي امتد لمدة 6 شهور هز امكانية استمرار الاحتلال البريطاني لفلسطين واجبرهم على اصدار الكتاب الابيض الذي حد من اهجرة اليهودية الى فلسطين حينها.

ويعبر الفيلم إلى الحرب الاهلية الاسبانية وانتصار الجبهة الشعبية اليسارية في فرنسا وتوليها مقاليد الحكم فيها والحرب العالمية الثانية والحرب الفلسطنية الاولى 1948 والهزيمة العربية التي ادت الى قيام الكيان الصهيوني وحرب الخامس من حزيران 1967 والحرب الاهلية اللبنانية 1975 .

كل هذه الاحداث تأتي عبر تاريخ صدقي نجاتي وعائلته. الابنة دولت تم نقلها الى موسكو وهي  طفلة بعد اعتقال والديها ووضعت في مدرسة داخلية مع العديد من ابناء المناضليين الشيوعين من البلاد المختلفة.

وهنا ابتدأت رحلة اغتراب طويلة انفصلت فيها الابنة عن الوالدين ما تبقي من حياتها التي استمرت في روسيا، رغم لقاءاتها القليلة مع والديها وشقيقتها وشقيقها اللذين ولدا بعدها الا انها تحس بانتماء لهذه الاسرة ولم تعتبر نفسها ضحية لهذه المتغيرات، لأنها رات فيها حياة فرضتها الظروف بعيدا عن الآلام التي احست فيها طفلة بعد انفصالها عن والديها وبعد ان عاشت مع والدتها في موسكو ثلاث سنوات وانفصلت عنها مجددا لانتقال والدتها الى النضال الى جانب زوجها في اسبانيا.

ومن خلال الاحداث ايضا يظهر تأثر الاسرة بالمتغيرات العربية حيث تلتقي الاسرة للمرة الاولى مجتمعة عام 1956 في بيروت كمكان لاستقرار العائلة بعد هزيمة 1948 وفي تلك الأثناء كان نجاتي صدقي قد فصل من الحزب الشيوعي لاعتراضه على سياسة ستالين بالاعتراف بالكيان الصهيوني.

تلعب اللغة حاجزا لإقامة علاقة متطورة بين الاشقاء وما يتبعها من حزن على هذا الصعيد كما قالت دولت التي عادت مجددًا إلى موسكو، بينما بقيت بقية العائلة حتى اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية عادت دولت إلى موسكو وهاجرت هند ووالديها الى اليونان حيث توفي الوالدان ودفنا فيها، بينما هاجر سعيد إلى البرازيل.

ينتهي الفيلم بلقاء الاشقاء الثلاثة في موسكو عام ٢٠١٥ واستعادة ذكرياتهم القليلة معا وذكرياتهم الاكثر مع والديهما المناضلين الشيوعيين كطلائع في الحركة الشيوعية العربية والفلسطينية.

وخلال ذلك اللقاء توصي دولت بخرق جثتها بعد موتها وتوصي حفيدتها ان تنثر رمادها في ارض القدس مكان والدتها فالانسان يعود في نهاية حياته الى مكان بدايته.

الفيلم المصنوع بحساسية عالية يبدأ لقطته الاولى لصور القصف الامريكي  الوحشي لمدينة بغداد عام  2003، ليقدم صورة معاصرة عن تاثير الحروب على البشر والمدن، وكانها توضيح ومقدمة لما سيرويه أفراد العائلة الفلسطينية، في منفاها وتشتتها بفعل الحروب التي عاشتها.