رياض أبو عواد يكتب: «صندوق الدنيا» أفضل أفلام العام.. ومفاتيحه العصفور والحاوي

يغرد مخرج ومؤلف سيناريو فيلم “صندوق الدنيا” عماد البهات خارج سرب المخرجين والمؤلفين الذين تعرض أعمالهم في موسم نصف العام الدراسي وفي الشهر الثاني من العام الحالي، متجاوزا نفسه مقارنة بفيلمين سابقين له وهما “استغماية” و”البلياتشو” فهو الفيلم الذي يمكن ان يطلق عليه فيلما بكل جدارة مقارنة بهلاوس الافلام المعروضة حاليا ضمن نسقها الأمريكي المفتعل.

وطبعا لا مقارنة بين فيلم أصيل ينتمي إلى بيئته ويحاول ان يقدم رؤية إبداعية تتجاوز الواقع لترسم عالمها الخاص وبين أفلام تحاول ان تخلق فنتازيا لا علاقة لها لا بالواقع الاجتماعي ولا المعاش بقدر ما تعيش على سرقات في التأليف والإخراج على افلام اجنبية وخصوصا الأمريكية منها وهي الافلام التي تعمل على تزييف وعي الشعب الأمريكي قبل وعي الشعوب الاخرى التي تغزوها هذه الأنواع من الأفلام.

الى جانب انتماء الفيلم لسينما المخرج خارجا على النمط الذي أصبح مألوفا في السنوات الأخيرة وهو سينما الفنان النموذج السائد في هذا الموسم، وحشد الفيلم طاقما كبيرا من الفنانين الكبار وهم أحمد كمال وخالد الصاوي ورانيا يوسف وباسم السمرة وعلي صبحي صلاح عبدالله كما شهد أيضا مشاركة صلاح عبد الله وعلاء مرسي وسامي مغاوري وعمر القاضي عودة الفنانة المتميزة التي كان يتوقع لها نجومية مطلقة قبل اختفاءها منذ زمن الشابة فرح يوسف ضمن مشاهد قصيرة وفاعلة ضمن أحداث الفيلم ليشكلوا معا فريقا متميزا في ظهور هذا الفيلم على الشاشة.

وقدم الفيلم من خلال مشاهده ومواقفه المتعاقبة التصور الذي يراه المؤلف والمخرج عماد البهات في نظرته لمصر ضمن الوضع القائم حاليا وارهاقات الحياة وتناقضها وتنوعها في مجتمع وسط مدينة القاهرة المدينة التي يغادر ليلها النوم بعد أن شهدت هجرة الكثير من سكانها الأصليين أبناء الطبقة المتوسط ليحل مكانهم النازحين الجدد اليها وتحولها من مدينة حضارية الى مدينة يتم ترييفها على اكثر من مستوى.

ولم يأت اختيار المخرج اسم فيلمه “صندوق الدنيا” اعتباطا فهو امتداد لتراث طويل من فن الفرجة والتفكير في إطار وأفكار لم تكن في بال المشاهد قبل أن يجلس أمام الصندوق ويتأمل الصور وما تقدمه من خيالات وأفكار للمشاهد وما يريده حامل الصندوق من فكرة إلى جانب الحصول على لقمة عيش نظيفة من مجتمع يكد ويتطلع للفن كوسيلة لتوليد الافكار والرؤى.

ويفتتح الفيلم مشاهده بعنوان الحلم الذي يفيق فيه باسم السمرة من حلمه الكابوسي صارخا على ابنه ليطمئن فيجد أن ابنه في أمان، الحلم يأتيه وهو جالس في حافلته الصغيرة هذا الكابوس وهذا الايحاء يمهد لحالة السفر والانتقال من المكان الذي يتواجد فيه وسط الريف بين الحقول بجمال خضرته وبساطته ويحمل فيه السمرة اسم عبد الدايم وابنه يحمل اسم علي المتمرد على النسق القائم كما نرى في سيرة علي ابن عم الرسول والثائر على هيمنة تجار مكة من بني أمية إلى جانب ما يحمله الاسمان من دلالات تاريخية ومكانية.

ومن خلال الحوار يتبين ان الزوجة الحبيبة والانتماء قد رحلت عن العالم في الوقت الذي يفقد فيه الابن علي الأم والانتماء ولا يبقى سوى مصير الأب الفلاح الأساس في البناء الاجتماعي والذي سيبقى على الدوام  الشعب الباقي ابدا مهما تغيرت الأنظمة ويكون علي هو الامتداد بالشكل الجديد ضمن لعبة الماريونيت التي يشكلها عالم المدينة المتنوع تلعب بها ويقف متفرجا يريد معرفة مكانه في هذه الحياة.

ويسافر عبد الدايم إلى القاهرة مع ابنه ومجموعة من النساء، ويصف الأب لابنه القاهرة بأنها مولد كبير لا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه إلا إذا قامر بكل ما يملك اما يكسب وإما يدخل الجحيم وهو نفسه غير مقامر فلا يريد ان يدخل هذه المعمعة وهنا يتحدد مصيره في المشاهد المقبلة.

بعد دخول القاهرة وفي وسطها يرسل ابنه ليشتري علبة سجائر بالقرب من احدى الاشارات إلا أنه يضطر تحت ضغط الزحام أن يبتعد عن مكان وقوفه فيفقد أثر ابنه الذي يتوه في وسط المدينة ويتعرض هو وحافلته للاختطاف والقتل على يد احد المجرمين الملاحق من زملاء له لسرقته تجارتهم المحرمة التي تظهر فيما بعد تجارة السلاح.

تنتقل المشاهد التالية الى مجموعة اخرى من الأبطال تحت عنوان كومبارس حيث يظهر الفنان عمر القاضي كمورد كومبارس للأفلام والمسلسلات ومعه الفنانة الواعدة فرح يوسف التي تترك الفن بسبب الزواج وتسعى للعودة للعمل مقدمة جسدها كرشوة له حتى يجد لها دورا وعملا في أحد المسلسلات او الافلام وذلك بعد عجز زوجها الشاعر والكاتب عن تامين حياة كريمة لهما مما يثير بينهما مشاكل لا تنتهي .

وخلال ذلك يتبين أنه لا يعدو ان يكون سوى مستغلا لحاجة العاملين في مجال الكومبارس وموردا لهم للعمل في المسلسلات والافلام الى جانب  بتوريد بعض النساء من العاملات في المجال الى المنتج الذي يسعى دائما للحصول على نساء جديدة لمتعته الجسدية ويقبض ثم ذلك كقواد محترف.

ويحتفظ عمر القاضي مورد الكومبارس بحنين رومانسي الى صديقته التي هجرت معه الريف إلا انها تعيش حياة اخرى بعيدة عنه وتقوم ببيع الخضار والفواكه وتنامي في الشارع بالقرب من بضاعتها فيذهب اليها ليعرض عليها الزواج ويبثها حبه الا انها ترفضه فهي اختارت طريق الكفاح لا المتاجرة بالبشر او بجسدها.

ويصور العنوان الثالث “ممرات الخوف” الفنان خالد الصاوي “آدم ” الخائف من فقدان فرح يوسف زوجته ضمن أحداث الفيلم بعد ان تيقن من فقدها وانها قامت برشوة عمر القاضي بجسدها كي تعود للعمل في التمثيل في المسلسلات والافلام فيقرر ان يحرمها الحياة لانه لا يستطيع ان يحرم نفسه منها فيشتري مسدسا ليقتلها وألا تكون لأحد غيره تجت ادعاءات الحفاظ على الشرف والانتقام له.

وفي مشهد اخر نجد الفنان احمد كمال “عصفور” رمزا للحرية والعقلانية والإقبال على الحياة والذي يسكن فوق سطح إحدى عمارات وسط البلد يتلقف علاء مرسي “مرجيحة” الأبكم و الغارق في حب رانيا يوسف “فاطمة، بطة” ملاحقا إياها من مكان إلى مكان.

وفي العنوان الرابع الرهان يصور الفيلم مشاهد الخوف التي يعيشها الولد التائهة في المدينة وادم “خالد الصاوي” الشاعر والرواي الذي يوقع روايته “ممرات الخوف” وفي نفس المشهد نراه يتسلم مسدسا من الرجل الذي قتل باسم السمرة بالقرب من باب القاعة التي تقام فيها الندوة.

في حين يسيطر على العنوان الرابع الرهان حضور رانيا يوسف “فاطمة” وطبيب القلب المتخصص صلاح عبد الله “خالد” الذي يستغل عملها معه كموظفة استقبال للمرضى ليفرض عليها زواجا عرفيا وهي على أعتاب الأربعينات من العمر وبعد ان يقضي وطره منها يسرق عقد الزواج ويجري تاركا اياها في عالم من  الخوف والاحساس بالعار في العيادة التي شهدت ليلة دخلتهما.

في الوقت الذي يكون فيه الحبيب المتيم علاء مرسي “مرجيحة” يجلس محترقا وضاربا نفسه أمام باب العيادة وهو يتوقع الاحداث الجارية وراء الجدران إلا أن ظهور فاطمة وندائها عليه ينسيه كل شيء فيسير الى جانبها مختالا ليوصلنا إلى العنوان الخامس.

تجتمع كل هذه التفاعلات في المشاهد الاخيرة مع الحاوي الذي يؤدي دوره الفنان علي صبحي الفائز بجائزة مهرجان دبي عن دوره في فيلم “علي معزة” بجائزة أفضل ممثل، وهو الشخصية التي تقدم مشهدا في كل عنوان من عناوين الفيلم تتدرج في عنفها حتى تصل الذروة في المشهد الاخير فمن التسلية في المشهد الاول واظهار كلب يقوم بادوار لها علاقة برومانسية الحب في المشهد الأول الى قيام الحاوي نفسه في المشاهد التالية بتقديم فقرات خطرة مثل اطفاء النار في الفم والقفز والشقلبة على أرضية الشارع وصولا للمشهد الاخير الذي ينام فيه فوق المسامير ويسير فوق الزجاج المكسور بعد ان يكون قد التهم بعضه.

وخلال قيامه بهذه المشاهد يقدم منولوجات لها علاقة بقساوة الحياة وان المخاطر التي يقوم بها هي بحثا عن لقمة العيش عبر الفن الذي يقدمه رغم خطورته وهنا الحاوي ومنولوجاته تقدم مسار أحداث الفيلم وتلخصها ضمن مسار الحياة وثقلها وفي نفس الوقت قساوتها وجمالها الذي يضفيه عليها الفن والتوحد الجماعي حول الحاوي الذي يشكل ايضا مسارا للوعي حيث نشاهد عدد قليل من الناس حوله في المشهد الأول ليتزايدوا تدريجيا في المشاهد اللاحقة لتصل الذروة في المشهد الأخير.

وضمن العنوان الخامس يستطيع عصفور “أحمد كمال”رمز الحرية والعقلانية ان يسيطر على اندفاع ادم “خالد الصاوي” في قتل زوجته ويدفعه الى الطلاق بدل القتل، والاتجاه الى الابداع كشاعر وكاتب يلهم الناس.

وعلاء مرسي “مرجيحة” يسير بالقرب من فاطمة “رانيا يوسف” شاعرا أنه عاد للحياة متأملا غيابها عنه غارقة في افكارها الخاصة اثر الخديعة التي تعرضت لها.

ويسيطر على المشاهد نهايات مقاربة بين الفن المرتبط برشوة الجسد مشهد فرح يوسف وعمر القاضي والذي يعكس فكرة الاستغلال بابشع صورها بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وهو التنازل عن جسدك حتى تحقق حلما او تستطيع ان تعيش ضمن إطار مجتمع استهلاكي متعفن ومقابله ان تقدم فنا مؤلما مثل تيار الوعي الذي يمثله الواعي ولا تقبل رشوة لكنك تغوص في نسيج المجتمع الذي يقدم لك الحياة وبين بائعة الخضار التي تختار مشقة الحياة على التنازل أمام المجتمع الاستهلاكي.

مع ملاحظة ان الحشد الكبير لنجوم كبار في هذا الفيلم تقدم تصورا فعليا عن جمالية الأفلام التي يسيطر فيها السيناريو والمخرج على أحداث الفيلم متقبلين ان يظهر في مشاهد قليلة تقدم جمالية فنية لا يستطيع فنان لوحده ان يقدم مثلها في ظل سيناريو واخراج لا يهدف سوى لتجميل الفنان لا الحكاية والرؤيا,

الزمن الذي حدد إطار الفيلم لا يتجاوز ال 24 ساعة ككل من بينها اقل من 12 ساعة في منطقة وسط مدينة القاهرة التي قدمت صورة معقولة لها بمناظرها وحياتها الليلية الا ان جمالية المدينة لا يكفي الليل للتعبير عنها فالليل هنا الظلمة التي يعيشها المجتمع في الوقت الراهن.

وبالتاكيد فان جمالية الضوء ستقدم قاهرة اخرى وقد تكون احداث اخرى وفيلم اخر.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]