سيناء خارج الصفقة.. نسخة رابعة «سياسية ـ اقتصادية» من صفقة القرن

ربما كانت مصادفة «أمريكية»،أن تتزامن ذكرى نكسة 1967 مع إعلان «صفقة القرن»، كما تزامنت ذكرى نكبة 1948 مع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة عقب الاعتراف الأمريكي بالمدينة الفلسطينية المقدسة عاصمة لدولة الاحتلال!! ولم يتبق سوى أيام معدودة لا تتجاوز 23 يوما، حتى يتم الكشف عن بنود «الصفقة النهائية» لحل القضية الفلسطينية، بحسب تعبير «جيسون غرينبلات» المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط، معلنا عن تأجيل إضافي في موعد الإعلان عن الصفقة بأيام، لتكون بعد عيد الفطر المبارك عند المسلمين، وعيد نزول التوراة أو«شفوعوت» عند اليهود، والذى يوافق يومي 6 و7 يونيو/ حزيران المقبل! ومؤكدا أن هناك شيئا واحدا واضحا في الخطة الأمريكية للسلام، هو أن «إدارة الرئيس دونالد ترامب لن تساوم على أمن إسرائيل».

وتكشف أولى ملامح «صفقة القرن» ـ  على لسان المبعوث الأمريكي ـ بأن الصفقة ستطرق كافة «قضايا الحل الدائم» وأنه «ليس صحيحا أن الخطة اقتصادية، إنها خطة سياسية واقتصادية، تتطرق لكافة قضايا الحل الدائم، نعطى حلا لكل نقطة، وبعد أن يتم الإعلان عن الصفقة، وقراءة جميع الأطراف بنودها، وإبداء الملاحظات عليها سنحتاج وقتا للتوصل إلى اتفاق نهائي، على أن تكون مهمة إجراء المفاوضات على الأطراف».

  • ملاحظة: الرئيس ترامب هو أول من دشن تعبير الصفقة في العلاقات الدولية، والتعبير مأخوذ من عالمه الخاص بالعقارات والاستثمارات والعقود مع الشركات المنافسة، ولكن فى العلاقات الدولية هناك مفاوضات واتفاقات ومعاهدات وليس صفقات بمعناها الوارد من عالم رجال الأعمال والشركات، كما أن مصالح الدول والشعوب تحكمها قواعد ومعايير أكبر من تلك التي تحكم إبرام الصفقات التجارية.

 

سيناء..خارج حسابات «صفقة القرن»

التوضيح الثاني من المبعوث الأمريكي، «جيسون غرينبلات»، أن «سيناء المصرية»، خارج حسابات «صفقة القرن»، ونفى بشكل قاطع،  ما يتداول حاليا مرة أخرى عن ضم جزء من سيناء إلى قطاع غزة، في إطار الخطة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط، مؤكدا أن سيناء ليست ضمن هذه الخطة، وأبدى دهشته ممن يكتبون و«يقولون ما لا يعلمون».. ويرى سياسيون وخبراء، أنه لم يعد ثمة دافع للتفكير أصلا في هذا الموضوع، بعد شطب قضية اللاجئين التي قد تقتصر معالجتها على تقديم تعويضات للأردن ولبنان، ويعنى هذا أن موضوع سيناء لم يُطرح من الأصل في عملية إعداد الخطة، لأن موقف الإدارة الأمريكية الحالية تجاه قضيتي القدس واللاجئين محسوم منذ أن دخل الرئيس ترامب البيت الأبيض، كما أنه مرفوع من التداول في المناقشات السياسية والأكاديمية قبل سنوات على انتخاب ترامب، وعندما طُرح للنقاش في بعض المنتديات الأمريكية والإسرائيلية في العقد الماضي، كان مرتبطا بالبحث عن حل لقضية اللاجئين، وليس بإيجاد مكان لمطار أو منشآت أخرى لا تتطلب إقامتها مساحة كبيرة ـ بحسب تحليل د. وحيد عبد المجيد، الباحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

ترجيح استبعاد غزة من «صفقة القرن»

وهذه الخطة قد لا تتضمن قطاع غزة، فثمة دلائل على أن معدي الخطة يعتقدون أن الوضع في غزة بات مختلفا كثيرا عنه في الضفة الغربية، بعد 12 عاما على الانقسام, وأنه صار مربكا لأى صيغة للحل، وربما ترد إشارة في الخطة إلى أن القطاع في حاجة إلى إعادة إعمار بنيته التحتية المتهالكة، وآلاف المنازل المهدمة، دون الإقرار بطبيعة الحال بأن الاعتداءات الإسرائيلية هي التي هدمتها فوق رؤوس ساكنيها، وترجيح استبعاد قطاع غزة من الخطة الأمريكية، ليس هو السبب الوحيد وراء عدم تفكير معديها في سيناء، حيث يعرف كوشنر وغرينبلات جيدا أن مصر لا تقبل بأي حال انتزاع أي جزء من سيناء، وأن معظم الفلسطينيين لا يريدون إعادة إنتاج فكرة الوطن البديل في أي سياق، حتى بشكل جزئي.

النسخة الرابعة من صفقة القرن

وتسربت معلومات حول الصفقة، بأن ما سيتم طرحه، بعد أيام، هو النسخة الرابعة من صفقة القرن، وهذه النسخة عبارة عن أفكار مهندسي الصفقة : جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكى ترامب، جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس الأمريكى للسلام في الشرق الأوسط، وديفيد فريدمان سفير الولايات المتحدة لدولة إسرائيل، والوزير ماك آرثر في الخارجية الإسرائيلية، وقد وضعوا أفكارا في النسخة الأولى ورفضتها مصر والدول العربية، وقاموا بتعديلها وطرحوها مرة أخرى، وتم رفضها أيضاً، وطالبوا بتغييرها، وبالفعل تم تغييرها، ولكن الدول العربية أيضاً رفضتها، وصولا للنسخة الرابعة ، وهي في مجملها مشروع للسلام الاقتصادي ودعوة للحياة بين العرب وإسرائيل ومشروعات تعاون إقليمي بالمشاركة مع  إسرائيل، وتتضمن بنود الصفقة الحدود الآمنة وإخلاء المستوطنات وشكل الدولة الفلسطينية وحدودها.

صفقة القرن.. «صفقة افتراضية»

ويرى سياسيون، أن صفقة القرن «صفقة افتراضية»، بنيت على عدة افتراضات لا أساس لها، أولها أن الفلسطينيين سوف يتخلون عن حقوقهم الوطنية مقابل بعض الأموال وتحسينات هامشية في حياتهم اليومية.. وافتراض وهمي آخر قوامه أن الأرض المقدسة بالنسبة للإسرائيليين ليست كذلك بالنسبة للفلسطينيين، أي أن الفلسطينيين ليس أمامهم سوى التنازل عن حقوقهم المشروعة في القدس وفي باقي الأراضي المحتلة..والافتراض الثالث يتوهم أيضا أن الفلسطينيين جميعا، سواء في الضفة أو غزة أو عرب 1948 سوف يقبلون بطيب خاطر دولة «القومية اليهودية» الخالصة ـ اسرائيل ـ والافتراض الرابع، فرض قبول العرب التخلي نهائياً عن مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي تأسست عليه مبادرة السلام العربية عام 2002 ومشروع «حل الدولتين» الذي يعني إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وأن تكون عاصمتها القدس الشرقية.

 

توزيع أدوار بين الإدارة الأمريكية ودولة الاحتلال

لم يعد أمر موعد الإعلان الأمريكي الرسمي عن «صفقة القرن» أمراً ذا قيمة بعد أن تم تنفيذ أهم بنود هذه الصفقة، وبدأ الشروع في تنفيذ ما تبقى منها، ورغم أن هناك قدراً كبيراً من الخوف مازال يحكم مواقف أصحابها يجعلهم مترددين في التعجيل بإعلانها رسمياً، وأن ما دفعهم إلي تأجيل الموعد، لا يرتبط  بشهر رمضان واحتفالات عيد الفطر المبارك، ولكن يرتبط بما يتخذ من إجراءات يستلزمها هذا الإعلان تستهدف التصدي لأي ردود فعل محتملة عبر إجراءات وقائية أو ضربات وقائية أمريكية، كما تكشف حالة الإرباك المتعمدة التي تقوم بها الإدارة الأمريكية هذه الأيام بخصوص مشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام المعروفة إعلامياً باسم «صفقة القرن»، عن عملية توزيع أدوار بين هذه الإدارة وحكومة دولة الاحتلال، بحيث تكون مسئولية هذه الحكومة متركزة على التمدد والتوسع، أي فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على كل الأرض الفلسطينية من نهر الأردن إلى البحر المتوسط مع استثناء قطاع غزة من هذه المعادلة.