سيناريوهات التصعيد في إدلب.. تغيير قواعد اللعبة في سوريا

رائحة البارود في إدلب، طرحت تساؤلات الدوائر السياسية والعسكرية، من موسكو ولندن إلى واشنطن:  ما هي أهداف أطراف النزاع في سوريا، وهل هم على استعداد لتغيير قواعد اللعبة على نحو جذري؟  مع مراعاة  أنه يتم  في إدلب الآن،  حلّ قضية قدرة سوريا على كسر الوضع الراهن، أو قدرة تركيا في الحفاظ عليه. علما بأن أي تغيير، عمليا، مفيد لسوريا، وليس مفيدا لتركيا.

بينما يرى المحلل السياسي الروسي البارز، ألكسندر نازاروف،  أن معظم اللاعبين في سوريا، وصلوا  إلى الوضع الذي لا يرغب فيه أحد الأطراف بتغيير أي شيء في اللعبة، فقد تحمل أي تغييرات تكاليف ربما غير متناسبة وتهديدا بفقدان الإنجازات الراهنة.

الناتو لن يأتي لمساعدة أردوغان في سوريا

من جانبه، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، عمر جليك، إن أنقرة تتوقع من الناتو دعمها في محافظة إدلب السورية.

وهي توقعات يراها المحلل السياسي الروسي، غيفورغ ميرزايان، «خدعة سياسية كبيرة» أخرى من أردوغان، بعد أن وقعت تركيا في مصيدة سياستها بالذات، فمهما يكن ما يقوله أي أحد، فإن القوات التركية موجودة في سوريا بشكل غير قانوني، لذلك، فهي من وجهة نظر  القانون الدولي، تشكل هدفا شرعيا تماما للجيش السوري، الذي يمارس حقوقه السيادية في سوريا، أنقرة قد تلجأ إلى حلف شمال الأطلسي، طلبا للدعم المعنوي، ولكن تقديم المساعدة لا يندرج ضمن أي من مواد ميثاق الناتو.

«أردوغان» يواجه  خطر هزيمة ماحقة

ووفقا لتحليل «ميرزايان»، يحتاج أردوغان إلى سحب قواته، لكن هذا سيكون بمثابة هزيمة وسيضر بدرجة كبيرة بشعبية الرئيس وحزبه، اللذين ليسا في حالتهما الأفضل. وكل ما يمكن أن يفعله أردوغان في هذا الموقف هو رفع الرهان قدر الإمكان: التهديد بغزو جديد، والمطالبة بدعم من الناتو، والآن يهدد أردوغان من جديد بغزو واسع النطاق. فبالقرب من حدود سوريا، تتمركز القوات التركية. لكنني أشك في أن تكون تركيا مستعدة لبدء حملة عسكرية واسعة ضد الأسد، لأن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف سيتعامل مع هذه الحالة الشعب التركي، ولا سيما الجزء المعارض منه.. «أردوغان» يواجه  خطر هزيمة ماحقة، قد تكلفه موقعه السياسي. ومهمة الرئيس التركي، إقناع طهران وموسكو بأنه عازم على المضي حتى النهاية، لكن هذه بالذات هي النقطة الأساسية في خدعته.

القيادة التركية تخطط لزيادة دعم الإرهابيين

من الواضح أن الهجوم الأخير الناجح الذي قامت به القوات الحكومية السورية ضد الإرهابيين الذين يتحصنون في محافظة إدلب، قد تسبب في ردة فعل عنيفة من أنقرة، وبدأ الجيش التركي ينقل بنشاط مزيدا من القوات والمركبات المدرعة إلى سوريا، لحماية المجموعات الإرهابية شبه المهزومة من الهزيمة النهائية، وينشر الأتراك «نقاط مراقبة»، الغرض الحقيقي منها هو وقف، أو على الأقل عرقلة حركة القوات السورية، وبالتالي منع التحرير الكامل للبلاد من الإرهاب وإنهاء سنوات الصراع الدامي المديدة.

ويشير الخبراء الروس، أرتيوم شارابوف وسيرغي فالتشينكو، إلى أن هناك معلومات تفيد بأن القيادة التركية تخطط لزيادة دعم الإرهابيين بشكل كبير، حيث تتلقى الوحدات الموالية لتركيا في كل مكان تعزيزات ودعما تقنيا لتمكينها من شن هجمات على القوات السورية في جميع أنحاء البلاد، بهدف صرفها عن الهجوم على إدلب، ومن غير الواضح إلى أي مدى سيمضي أردوغان في دعم المقاتلين، وما إذا كان سيصدر أمرا بمواجهة عسكرية مباشرة مع قوات الجيش السوري.

يفترض أن تكون المفاوضات التي جرت في أنقرة مؤخرا بين دبلوماسيين روس وأتراك قد قدمت إجابة عن هذا السؤال.. استمرت المفاوضات ثلاث ساعات، ولم يُعرف ما إذا كانت قد خففت من شدة الانفعالات.

بوتين يترك أردوغان فريسة «اللدغ»

ويرى المحلل السياسي «بازاروف»، أن الموقف لا يبدو مثل لوحة شطرنج كبرى للحرب الباردة، كما وصفه مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، زبغنيو بريجنسكي، ولكنه يبدو كعشرات من لوحات الشطرنج المتناثرة لأدوار متوازية، وبالنسبة لكل من روسيا وتركيا، فإن رقعة الشطرنج السورية ليست اللوحة الرئيسية في السياسة الخارجية للبلدين، وهي أكثر هامشية بالنسبة لروسيا منها بالنسبة لتركيا. لذلك فإني أعتقد أن بوتين لن يسعى بحماس لإنقاذ الرئيس التركي من أن «يلدغ من الجحر مرتين»، وسيتركه فريسة «اللدغ» أكبر عدد من المرات.

بوتين يدرك نقاط الضعف التركية، لكن ليس من أهدافه تدمير «الصديق» التركي، ولا حتى إلحاق الهزيمة به. فالموقف التقليدي الروسي ينبع من منطق أن السلام الدائم ينطلق دائما من مراعاة مصالح جميع أطراف الأزمة، إلا أن تركيا لا تشارك روسيا هذا الفهم، ولذلك أعتقد أن هدف موسكو إنما يتلخص في مساعدة أنقرة على الوصول إلى هذه الفكرة. لكن ذلك ربما يستغرق بعض الوقت.

سيناريوهات التصعيد

من الواضح أن أردوغان يقوم بسيناريو «التصعيد من أجل التهدئة»، لكن هل يقنع بوتين بقدرته على المضي قدما حتى النهاية وإجباره على التعامل معه على أسس جديدة؟ وهل يتعين على روسيا التعامل معه بصرف النظر عن مدى جدية نواياه؟ هذه هي التساؤلات التي يطرحها المحلل السياسي الروسي الشهير «ألكسندر نازاروف».. وسيناريوهات التصعيد ترتبط بشواهد على أراضي إدلب.. وهي:

بشكل عام، تبدو القوات التركية قادرة على وقف الهجوم السوري، لكنها لن تكون قادرة على الحفاظ على الوضع الراهن، ذلك أن الوجود الشامل للأتراك في سوريا يغير قواعد اللعبة بأكملها، وسوف يفضي في المستقبل إلى جولة جديدة من المفاوضات، التي ستلقي بالكرة من جديد في ملعب الرئيس بوتين، الذي سيكون بإمكانه إثارة قضية مدى التزام تركيا بتعهداتها مقابل إنهاء الضغط السوري على إدلب.

كذلك فإن الغزو التركي يزيل أي قيود على تصرفات بشار الأسد وحلفائه ضد المسلحين الواقعين تحت سيطرة تركيا، بينما لن تستطيع تركيا حمايتهم من هجمات الطائرات والمدفعية الروسية والسورية من دون حرب واسعة النطاق، لا تستطيعها ولا تسعى إليها تركيا. علاوة على ذلك، فمن المرجح أن يتكبد الجيش التركي خسائر أكبر إذا ما وسّع وجوده في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون، وبدعم من عملياتهم العسكرية.

كذلك تحمل المشاركة الواسعة لتركيا في إدلب تكاليف واضحة فيما يتعلق بحساسية ومعارضة معظم الدول العربية وعدد من الدول الغربية.. ورجب طيب أردوغان اليوم يحظى بأعداء كثيرين، وليس لديه أصدقاء في العالم، وأصبح الشريك الرئيسي الوحيد الذي على استعداد للحديث معه على قدم المساواة هو الرئيس بوتين.

من غير المرجح أن تؤدي التوترات في إدلب إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق بين تركيا وسوريا، وتدهور العلاقات الروسية التركية إلى الحد الذي كانت عليه هذه العلاقات عقب إسقاط الطائرة الروسية. ومع ذلك، فمن الواضح أن نقاط الألم التركية لن تبقى في الظل، وإن حظيت باهتمام متواضع في العلن.