صدمة المؤامرة الكبرى.. قيام الكيان الإسرائيلي في قلب الوطن العربي

عندما صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، كانت رائحة البارود بدأت تفوح على ربى  فلسطين وتلالها، وقبل أن تبدأ العمليات العسكرية بين الجيوش العربية والقوات اليهودية ليلة 15 مايو /آيار 1948 والتي توقفت بتوقيع الهدنة في رودس في شهر فبراير/ شباط 1949.. وفي تلك الأيام كانت شعوب الأمة العربية تتلقى صدمة المؤامرة الكبرى ، وهي قيام الكيان الإسرائيلي وسط العالم العربي وفي قلبه.. وكانت خطوط التقسيم ـ حسب تعليمات بن جوريون إلى قواد الهاجاناه (جيش الدفاع ) ـ هي البداية وليست النهاية  !!

 

بريطانيا لعبت دورها في التآمر على الفلسطينيين

وفي تلك الأيام  ــ  من زمن القرصنة ــ  كانت الشواهد والوقائع تشير إلى عناصر مساعدة لعبت دورها بالتآمر على حقوق الشعب الفلسطيني، وكان دور سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين في صدارة العناصر والعوامل المساعدة ، ولعبت  دورها بتنسيق مواعيد إخلاء معسكراتها مع قوات الهاجاناه (قبل الموعد المحدد لانتهاء الانتداب يوم 14 مايو/ آيار  1948 ) والتي كانت تبادر باحتلال القواعد البريطانية ، وقد مكنها ذلك ـ على سبيل المثال ـ من احتلال حيفا في ظرف أربع وعشرين ساعة .

 

  • وكان للقوات البريطانية جدول أولويات له توقيتات لافتة للنظر، ذلك أن الجزء المقرر لليهود بمقتضى قرار التقسيم بدأ تسليمه لقوات الهاجاناه مبكرا، ومبكرا جدا في بعض الأحيان، حتى أن القوات البريطانية قامت بتسليم مناطق الجليل ابتداء من شهر مارس/ آذار، وأوائل شهر أبريل / نيسان، وأما فيما يتعلق بالجزء المخصص للعرب بمقتضى قرار التقسيم، فإن القوات البريطانية كانت تتمسك بالأمر والنهي فيه حتى الدقيقة الأخيرة من سريان موعد إنتهاء الإنتداب، ولا تسمح للقوات العربية درء أخطار قادمة.

 

 الدول  العربية تتقدم  نحو فلسطين بخطى متثاقلة

وساعد على هذا الوضع (أجواء النكبة) حقيقة أن الدول العربية كانت تتقدم نحو ساحات فلسطين بخطى متثاقلة، وبحسابات خاصة تختلف أكثر مما تتفق، وعوالق شك في النوايا، وقبل كل هذا لم تكن الجيوش العربية تملك فكرة واضحة عن القوة العسكرية للعصابات المسلحة اليهودية، ولا حتى فكرة واضحة تنسق إستراتيجية عملها في فلسطين، وربما كان أسوأ أو أطرف ما يعبر عن الموقف والاستعداد العسكري العربي قبل الحركة في ميادين القتال، هو ما حدث قبل أسبوع من بدء القتال، في واقعة كانت أكثر تعبيرا عن الحالة العربية العسكرية وقتئذ ، وهي من العلامات المثيرة للتأمل رغم طرافتها المحزنة !! كانت اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية تستعد لعقد إجتماع برئاسة اللواء العراقي «إسماعيل صفوت» باشا ، الذي أسندت إليه  القيادة العامة للجيوش العربية، وفي الصباح خرج «صفوت باشا» من فندق شبرد الذي يقيم فيه في القاهرة، ليتريض قبل أن يحضر الاجتماع، وبالقرب من الفندق وبجوار سور الأزبكية شاهد مجموعة صغيرة من المارة يلتفون حول رجل يلعب معهم لعبة «الثلاث ورقات»، ووقف القائد العام للجيوش العربية يشاهد ما يجري، ويبدو ان اللعبة أثارته فشارك فيها، وفي عشر دقائق كان قد خسر كل ما معه من نقود 286 جنيها، ولم يكتف «صفوت» باشا بخسارة أمواله، وإنما دخل في مشادة مع لاعب «الثلاث ورقات» وصلت إلى قسم بوليس الأزبكية، وتعطل القائد العام للجيوش العربية عن حضور إجتماع اللجنة العسكرية، وحين وصل إليها متأخرا كانت تفاصيل حادثة النصب التي وقع ضحيتها قد سبقته إلى مقر الإجتماع !!

 

  • ودلالات الواقعة لم تكن بعيدة ـ بالطبع ـ عن المؤشرات المبكرة للنكبة القادمة !!

 

صمود الفلسطينيين ينقذ القدس الشرقية

وقبل أن ينتهي مشهد النكبة الكبرى، إستولى اليهود على القدس الجديدة ـ القسم الغربي من المدينة ـ وكان الفلسطينيون يملكون 40 % من مبانيها، واليهود 26.12 % أما بقية القدس الجديدة فكانت ملكا للدوائر الدينية والحكومية، ثم هاجم اليهود القدس القديمة «القسم الشرقي » فيما بين 14 و18 مايو/ آيار ولكنهم فشلوا أمام صمود الفلسطينيين، حتى دخلها جيش الأردن في 19مايو / آيار ، وبهذا توزعت القدس على قسمين : شرقي تحت السيادة الأردنية، وغربي تحتله إسرائيل.

 

 

مذابح وإرهاب لتفريغ القرى من أصحابها

وزحفت  تشكيلات عسكرية من  القوات اليهودية  للإستيلاء على القدس خالية من الفلسطينيين، ولهذا الغرض ارتكبت مذبحة في قرية دير ياسين التي تقع على بعد ميل ونصف الميل إلى الغرب من مدينة القدس، في 9 أبريل/ نيسان  1948، وراح ضحية المجزرة  354 من الرجال والنساء والأطفال من سكان القرية، وفي الساعات الأولى من صباح يوم 14  مايو/ آيار  1948 بدأت مذبحة قرية «أبو شوشة» القريبة من قرية دير ياسين، راح ضحيتها 50 شهيدا من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال..وكان العمل جاريا وبكل الوسائل لدفع أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين إلى الهرب من مدنهم وقراهم وبيوتهم ومزارعهم، وفي منتصف الليل من يوم 22 أبريل/ نيسان  1948 هاجم المستوطنون اليهود مدينة حيفا، وقتلوا العشرات من أهلها.. وقبل أن ينتصف يوم 21 مايو/ آيار  1948 حاصرت ميليشيات العصابات اليهودية قرية «بيت داراس» شمال شرق مدينة غزة ، ودعوا المواطنين الفلسطينيين إلى مغادرة القرية من الجانب الجنوبي، وسرعان ما حصدت النيران سكان القرية العزّل وبينهم نساء وأطفال وشيوخ.