طلال الشريف يكتب: ثورة على المتر

بعد عشرين عاما من الفراق التقينا، ولم يكن بريق عينيها لامعاً مثلما تركتها، فقد أصابتها عوامل التعرية الزمنية، وما إن اقتربت مني، وفي لهفة الحكمة، وليست لهفة المشتاق، مدت يدها للتسليم علي، فإذا بها تشد على يدي، ثم تهز قبضتها الأخرى  عاليا  في مشهد درامي لم أتوقعه، قائلة نعم نعم.. لقد  اكتشفت البروفيسورة أن المتر يساوي ثمانين سنتيمترا، لقد كنت مصيبا دكتور حين حاولت أن تعطيني الحكمة قبل عشرين عاما، وكنت لا  أدرك ما تقوله حينها.

جلسنا في ركن هادئ، وبدأت أسألها، عما تتحدثين؟ فقد تحدثنا قبل عشرين عاما عن أشياء وأحلام كثيرة،  فما هو الشيء الذي كنت أنا فيه مصيبا وكنت أنت فيه مخطئة؟

ردت قائلة،  مازلت أذكر حكمتك التي كنت تؤكد عليها دائماً بأن “المتر في حياتنا يساوي ثمانين سنتيمترا” وقد ثبت لي بعد هذه السنوات الطويلة، أنك على حق.. فقلت كيف؟

قالت، يبدو أننا نبني حياتنا منذ البداية على مقاييس ومفاهيم ومناظير نعتقد أنها كاملة وصحيحة القياس, والرؤية مما يدخلنا في إشكاليات جمة، نأخذ وقتاً طويلاً من عمرنا، وحياتنا، ونحن نجري وراءها ونقيس عليها، ولكنها لا تكتمل،  ولا ترضينا، وتبقى ناقصة، فقلت لها فسري لي أكثر, فإن ما تقولينه يزيد الحكاية غموضاً.

قالت، إن كل ما يواجه الإنسان من مشاكل وتعقيدات وجريمة وانتهاكات وكبت واكتئاب وفشل وهجران ونكران وكذب وافتراء وانحدار وحزن ومداراة وتدليس واستقواء ونصب واحتيال وغيرة وحسد ومعاداة وانشقاق وهروب وتزوير وتبرير وتصغير أو تكبير، هي بسبب الاختلاف في المقاييس والمفاهيم والمناظير، التي ننظر بها للأشياء، ونقيس عليها الصح والخطأ، ونفهم بها الأمور، ونظل نجري وراء ما يجري عليه الآخرون دون توقف، أو تفكير، فإذا رأينا الناس يتعلمون، أو يتزوجون وينجبون، ويعيدون الكرة مع أبنائهم، نفعل مثلهم، وندور في تلك الحلقة المفرغة، وتنتهي بنا الأمور إلى ما انتهت بالأولين.

لا أحد يفكر لماذا؟ وكيف نعيش؟ وكيف تحدث المشاكل بين الناس؟

إنها تحدث لأن غالبيتهم مقتنع بأن ما يفهمه هو الصحيح, وأن المنظار أو النظارة ( الرؤية) الذي ينظر به إلي الأشياء هو الصحيح، و يفترض الكثيرون أن المقياس الذي يقيسون عليه هو المقياس الصحيح, وهنا تحدث الإشكاليات وهنا يرتكب المجرمون جرائمهم، وهنا يزور المزورون تزويراتهم، وهنا يكذب الكاذبون كذباتهم،  وهنا يحدث الكره، والنصب، والتدليس، والافتراء، والتصغير، والتكبير، والحسد، والغيرة، والعداوات بين الناس .

في هذه المنطقة المقطوشة، أي العشرين سنتيمترا الضائعة من المتر الذي نقيس به، يحدث الاختلاف ويحدث الخطأ في التقدير, وتنتج المآسي كلها.

عندما نسعى إلى عمل شيء، ونكتشف أنه ليس هو كل الشيء الذي أردناه فإننا نغضب ونحزن، وعندما نتزوج فننجب، وتصبح متطلبات حياتنا أكثر، ونتدبر أمرنا، ونكتشف أيضاً أن هذا ليس كل شيء، وأن هناك أشياء مهمة أكثر، فنجري وراءها, وعندما نحب إنسانا، أو نكره إنسانا فنظن أن الدنيا قد توقفت عند هذا الحب أو الكره، ونكتشف لاحقاً بأننا نستطيع أن نحب، أو نكره أناس آخرين، ونكتشف أن ذلك ليس هو كل شيء، وعلينا أن نواصل، و ماذا بعد؟

وعندما نجمع مالاً فنكتشف أن هناك شيئا آخر مطلوب، وأحياناً نكتشف أننا مربوطون في جذع شجرة بحبل ولا نستطيع الابتعاد حسب مقاييسنا أكثر من طول هذا الحبل القصير، فنحاول أن نطيل هذا الحبل، لنأخذ حرية أكثر حتى يكاد ينقطع هذا الحبل، ونستمر بالمحاولة،  وقد ينقطع هذا الحبل، ونكتشف أننا ما زلنا نحاول تلمس أشياء آخري، ونضحك علي أنفسنا, كيف كنا نتوهم بالسقوط،  أو الضياع ولكن لا يحدث هذا السقوط أو الضياع، إنها  المقاييس الخطأ التي درجنا عليها دون تمحيص أو إعادة تقييم ومعايرة.

المتر الذي نقيس عليه في حياتنا من الأساس, مقطوع منه عشرين سنتيمترا, أي أن أداة قياسنا هي ثمانون سنتيمتراً، أي أن مترنا الأصلي يساوي أقل مما نتوقع ونعرف.

في هذا النقص تكمن كل مشاكلنا، ولتصحيح ذلك، نحتاج لثورة على المتر، الذي خذلنا، وسبب لنا كل إرباك ومشاكل في حياتنا.

خلاصة قولنا :

إذا عايرنا مترنا (مقياسنا) باستمرار سوف نتقبل الحياة أكثر ونسعد أكثر, وسوف نحب أكثر مما نكره، وقد نحب من كرهناه،  ونكتشف أن كثيراً من الناس هم بحاجة إلينا، لنقول لهم كلمة طيبة، أو نسلم عليهم، أو نرد على رسائلهم التي بثوها أشواقهم لنا، وقد أمضينا وقتاً طويلا، لا نعيرهم اهتماماً، أو كرهناهم من النظرة أو الكلمة أو المقابلة الأولي دون وجه حق.