طلال عوكل يكتب: مسيرات العودة ما لها وما عليها

بعد أكثر من ستة عشر شهرا، على بدء مسيرات العودة وكسر الحصار، يتوجب التوقف لتقييم النتائج المتحققة. من حيث المبدأ لا اعتراض على مواصلة الاشتباك السلمي مع الاحتلال، الذي يصادر الحقوق الفلسطينية وينتهك كل المحرمات والقوانين الدولية.

الاحتلال عمليا وبدعم مكشوف وسافر من الولايات المتحدة، يقوم عمليا بدفع الصراع نحو أن يشمل كل الأرض وكل الحقوق الفلسطينية سواء التي تعترف بها الأمم المتحدة، أو التي يصر الشعب الفلسطيني على التمسك بها باعتبارها حقوق تاريخية حصرية. معلوم أن الاشتباك السلمي الذي تمارسه الفصائل في قطاع غزة لا يتم مع مستوطنين أو تجمعات إسرائيلية سكانية، ولا يتجاوز الأسلاك الشائكة التي يقف خلفها جنود اسرائيليون مدججين بكل انواع الأسلحة. لكن الاشتباك بالأساس سياسي وإعلامي، بالرغم من الخسائر البشرية التي يتكبدها الجانب الفلسطيني، مقابل ما يقع من خسائر لمزارع المستوطنين، تتكفل الحكومة الإسرائيلية بتغطيتها ماليا. لا يمكن تجاهل الإزعاج الذي تشعر به إسرائيل جراء النشاطات التي يقوم بها كل يوم جمعة الشبان المشاركين في مسيرات العودة، لكن مستوى هذا الإزعاج وفي ظل ظروف تمر بها الحكومة الإسرائيلية، لا يشكل دافعا قويا لاستدعاء عدوان شامل على قطاع غزة. وبالرغم من التهديدات المتكررة التي تصدر عن نتنياهو وعديد الجنرالات والوزراء بشن عدوان مدمر على القطاع، إلى أن مثل هذا العدوان هو آخر ما يتمناه رئيس الحكومة الإسرائيلية في هذه الفترة بالذات. مثل هذا العنوان من شأنه أن يطيح بمستقبل نتنياهو في حال سقطت عشرات الصواريخ على مدن إسرائيلية، فضلا عن أنه لم يستنزف بعد أهدافه السياسية من وراء استمرار الانقسام الفلسطيني. إذا فحصنا الأهداف التي تقف وراء انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار، فإن هدف إعلان تمسك الشعب الفلسطيني بحقه في العودة قد تحقق بمعنى أو بآخر، أما فيما يتعلق بكسر الحصار، فإن كل الوساطات وكل التضحيات لم تحقق ذلك الهدف. لقد ظلت إسرائيل تتلاعب بالتفاهمات التي يجري التوصل إليها عبر الوسطاء إلى أن استقرت فقط على تحسين نسبي في وضع الكهرباء وتوسيع مساحة الصيد البحري بالإضافة إلى تمرير الأموال القطرية.

في الآونة الأخيرة بدء يظهر بعض التذمر العلني من قبل بعض الفصائل المشاركة في هذا الحراك الشعبي، فثمة من يتهم حماس بالاستفراد في الاستثمار واتخاذ القرار، ويرفض من حيث المبدأ شيء أسمه تفاهمات مع إسرائيل. العنوان الأبرز في هذا الخلاف هي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وهي شريك مؤسس وأساسي في الحراك. حين نقيم مردود الحراك الشعبي لكل هذا الوقت الطويل بحجم التضحيات التي تتجاوز ثلاثمائة وخمسين شهيدا وأكثر من خمسة عشر جريح، تبدو هذه التجارة على أنها خاسرة تماما. أصل الخلل يمكن في ان الحراك انطلق تحت مسمى الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار. في المقطع الأول من الشعار كان الأمل بالنسبة للمبادرين هو أن ينطلق هذا الحراك بالتزامن في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن قبل اللاجئين الفلسطينيين في الدول المجاورة، لكن هذا لم يحصل، ومن غير المحتمل ان يحصل في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني. يعني ذلك ان هذا الحراك أصبح عالقا فلا مبرر كافي لوقفه بعد كل هذه المسيرة، ولا ثمة قدرة على تطويره وإخراجه من طابعه التقليدي إلى فعل أكثر تأثيرا. يبقى الأمر بيد إسرائيل التي تنتظر ظروفا مختلفة بعد انتخابات السابع عشر من أيلول القادم، ورهن بمدى تقدم آليات صفقة القرن. إن بقاء الحصار أو رفعه عن قطاع غزة مرهون بواحد من أمرين فإما أن ينتهي الانقسام الفلسطيني، وهذا يواجه تعقيدات هائلة، وإما ان رفع الحصار سيكون جزء من آليات صفقة القرن، وخطة الازدهار الاقتصادي التي تؤسس لدولة غزة. قد لا يدرك بعض الفلسطينيين مدى خطورة استمرار الانقسام ومآلاته في ظل استمرار الحلف الأمريكي الإسرائيلي على مواصلة العمل بكل قوة لفرض مضامين صفقة القرن، ولكنهم أي الفلسطينيين لا يدركون أيضا السبيل لتبرير عجزهم عن التقدم بمبادرات وبدائل لتفعيل الموقف الرافض لتلك الصفقة.