طلال عوكل يكتب: أزمة قوة أم أزمة خيارات؟

213

لا يدور في خلد أحد ممن يتابعون هذه الأيام مجريات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أن تصل الحالة بدولة الاحتلال إلى هذا الدرك من الضعف والهشاشة والارتباك، بعد جولة قصيرة من التصعيد الذي بدأته إسرائيل مع فصائل المقاومة في قطاع غزة.

فشل الجيش الإسرائيلي، سواء فيما يتصل بالعملية الخاصة شرق خانيونس أو فيما يتصل بالمواجهة التي وقعت خلال ثمانية وأربعين ساعة، الأمر الذي عمق لدى الكثير في إسرائيل القناعة بتآكل قوة الردع.

لقد حققت المقاومة الفلسطينية في هذه المواجهة المحدودة، إنجازا واضحا، تشهد عليه التداعيات والآثار العميقة التي تضرب إسرائيل حكومة وجيشا ومجتمعا.

لا يعني هذا الإنجاز أن يذهب البعض في الشطط، إلى أن يستنتج، بأن المقاومة قادرة على إلحاق الهزيمة بجيش الاحتلال وتحرير الأرض، إن مثل هذا الاستنتاج والبناء عليه، سيكون من أسوأ التقديرات، ذلك أن إسرائيل ما تزال تملك ترسانة من الأسلحة، قادرة على إلحاق الهزيمة، وإلحاق دمار كبير، بأي جيش في المحيط القريب والأبعد.

إذا كانت إسرائيل ما تزال تتفوق في ميزان القوة العسكرية، فثمة بالتأكيد أسباب، تقف وراء المشهد الذليل الذي تتسم به قدراتها العسكرية والأمنية.

تعود أسباب الفشل الإسرائيلي إلى تضارب الخيارات، والتوهان في تحديد الأهداف، تريد إسرائيل تنفيذ صفقة القرن، في حلقتها الراهنة وهي غزة، من خلال تهدئة تؤدي إلى فتح ملف القطاع على إعادة تأهيله حتى يكون جاهز بعد قليل من الوقت لكي يصبح مكان الكيان الفلسطيني حتى تتفرغ لتنفيذ مخططاتها في الضفة بما أنها ميدان المعركة الأساسي.

تستلزم هذه السياسة، استثمار الوقت المتاح بوجود رئيس مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتجد إسرائيل في الذهاب إلى تهدئة أو هدنة، السبيل الأقصر والأقل تكلفة لتنفيذ ما تريد.

في مقابل ذلك فإن الخيار العسكري بالنسبة لإسرائيل، هو خيار مكلف أولا، ويخلط الأوراق ثانيا، ويستنزف الوقت الثمين ثالثا، ويضرب السياسة الإسرائيلية الرامية لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية رابعا، فضلا عن أنه قد يتسبب في إحراج الدول العربية الراغبة في تطبيع علاقاتها، بما يؤدي إلى تأخير أو تعطيل تحقيق هذا الإنجاز بالنسبة لإسرائيل.

إسرائيل لا تريد إعادة احتلال قطاع غزة، ولا تريد إقصاء حركة حماس عن الحكم، وتعتقد أن معالجة المقاومة وسلاحها، أمر يمكن تأجيله، أو أن الوقت سيوفر له حلا، يعفيها من تكبد الخسائر.

الأزمة التي تضرب إسرائيل طولا وعرضا، منذ فشلها في جولة التصعيد الأخيرة، سببه الارتباك في الخيارات. بينما يصر نتنياهو وفريقه على متابعة اعتماد خط وخيار التهدئة، وهو خيار يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، ثمة في ائتلافه الحكومي من يرى ضرورة اعتماد خط المواجهة العسكرية مع المقاومة في قطاع غزة، وفي سبيل استرجاع الجيش لقدراته الردعية، وإعادة بناء صورة إسرائيل القوية، المتفوقة، القادرة على مواجهة كل أعدائها في الإقليم.

ليبرمان الذي استقال من منصب وزير الدفاع، وآثر أن يدفع الثمن من موقع المزايدة لكسب جمهور المستوطنين، لم يكن ولا يصلح أن يكون زعيما قادرا على وضع حد لخيار نتنياهو، ولذلك يقدم نفتالي بينت نفسه، كزعيم لهذا التيار وإلا فتفكيك الحكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة.

حاول بينت أن يستغل غضب جمهور المستوطنين، المطالبين بالحسم مع غزة، ومغادرة سياسة التهدئة، فيشترط أن يتسلم حقيبة الدفاع، وإلا فحل الحكومة، لكن الصراع بين الخيارين يشتد، ويضع رئيس الحكومة نتنياهو أمام خيارات معقدة وصعبة، فهو يرفض طلب بينت بدون أن يصل الأمر إلى حل الحكومة.

“دجاجة حفرت على رأسها عفرت”، هذا هو حال إسرائيل وليس حال حكومتها فقط، مقابل ذلك، يتوحد الفلسطينيون عمليا، حول مقاومة اعتداءاتها وسياساتها، كما هو حالهم في كل معركة، تخص الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

وفي ظل تخبط إسرائيل بأزمتها، تظهر بعض المؤشرات الأولية، على إمكانية أن ينجح الجهد المصري، في البدء بدفع هذا الملف نحو التنفيذ المتدرج لاتفاق أكتوبر العام المنصرم.

في منطق الأحوال، لا ينبغي لفصائل المقاومة أن تنام على صديد الشعور بالانتصار، فإذا كان مسار التهدئة تطبعا فإن الطبع الذي يميز دولة الاحتلال بالعدوانية قد يغلب التطبع.

لقد أثبت نتنياهو قدرته على لملمة صفوف ائتلافه الحكومي مع رشوات للمعارضين، محتفظا لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع، ولكن ما جرى حتى الآن يشير إلى أن إسرائيل بصدد خوض حرب أخرى، المرجح أن تكون غزة وجهتها من أجل إظهار نفسه على أنه الأحرص على أمن الدولة، ومصالحها.