طلال عوكل يكتب: إلى متى يمكن للعالم أن يتحمَّل؟

يفيض السلوك الإجرامي لدولة الاحتلال، عن إرادات البشر، رغم أن طبيعة المشروع الصهيوني التوسعي في فلسطين تنتج بشرا يحملون الصفات ذاتها التي يتميز بها المشروع بما أنه يقوم على القهر والاقتلاع والإحلال، والاستهتار بتراث المجتمع الإنساني وقيمه وقراراته الجماعية.

تثبت إسرائيل منذ نشأتها الأولى، أنها دولة عدوانية. لا يمكن أن يستقيم حالها مع أفكار وقيم السلام والتسامح والاعتراف للآخر، ولذلك فإن سجلها طافح بكل أنواع الجرائم، جرائم بحق البشر والشجر والحجر والأرض، وجرائم ضد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهي لا تستطيع بسبب طبيعتها أن تكون غير ذلك، ما كان ضروريا لإسرائيل أن تعرف نفسها وهويتها عبر تشريعات تؤكد أنها دولة عنصرية، كما يتضح من قرار قانون القومية، ولا حاجة للرئيس ترامب لأن يتخذ قرارا باعتبار اليهودية قومية، فكل ما يصدر عن تلك الدولة يكفي لتأكيد هويتها العنصرية، لا يدرك مدراء المشروع الصهيوني التوسعي وداعموه، أن هذه الطبيعة العنصرية العدوانية، هي بذاتها وبآليات إنفاذ مشروعها الطريق المؤكد لزوال دولة إسرائيل، ولو طال الأمد. هذا الاستنتاج ليس بدعة أو رغبة أو قراءة في فنجان، أو ناجم عن تفسيرات دينية، وإنما هو استنتاج من واقع التخوفات التي تسيطر على عقول كتاب ومسؤولين إسرائيليين لا يكفون عن وصف التهديدات الخارجية على أنها تهديدات وجودية. ليس المعنى أن في المحيط ما ينطوي على احتمال تهديد وجود إسرائيل، فما تتجاهله العقول التي تدير المشروع الصهيوني، هو أن قيام ووجود واستمرار دولة من هذا النوع و بهذه الخصائص، هو مخالف لقوانين الطبيعة وتكون المجتمعات والدول. تستطيع الذراع العسكرية والأمنية الإسرائيلية المحترفة والمدعومة من قبل الدول الأعظم حتى الآن، أن تصل الى أماكن بعيدة، وأن تدعي امتلاك القدرة الكلية لتحطيم كل من يهدد مصالحها، لكنها تعجز عن وقف الانهيار الأخلاقي والقيمي، الذي يهدد وجودها وإن بعد أجل. ترتجف أركان الدولة كلها مما تقوم به حركة المقاطعة “بي دي إس” و تجند في مواجهتها امكانيات ضخمة. وتتجند في مواجهتها الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تستدعيه مواجهة صواريخ المقاومة في غزة. تستطيع الولايات المتحدة أن تنتصر لإسرائيل في هذه المعركة وأن تعرض الداعين المحرضين على المقاطعة  لسطوة القانون، وتستطيع أيضا حماية إسرائيل من أي نقد يوجه لها من قبل مجلس الأمن، لكنهما لا تستطيعان منع المفوض العام لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة من أن ينشر القائمة السوداء بحق الشركات التجارية العاملة في مستوطنات الضفة والقدس. ولا تستطيع الدولتان التوأم أن تمنعا المحكمة العليا الأوروبية من مطالبة دول الاتحاد الأوروبي بضرورة الزامها بوسم البضائع التي تصدرها المستوطنات المقاومة عنوة على الأراضي المحتلة عام 1967. الجمعة المنصرمة التي تصادف العشرين من ديسمبر الجاري، كانت إسرائيل على موعد مع هزة أرضية خطيرة، شملت كل الطبقة السياسية والأمنية والعسكرية والحزبية الإسرائيلية، حين أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية القاضية فاتو منسودا، بانطباق أحكام اتفاقية روما على فلسطين، وفحص إمكانية التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل. مسار طويل اتخذته هذه العملية التي بدأت عام 2009 بتقديم السلطة التماسات الى المحكمة الجنائية، رفض تفعيلها المدعى العام آنذاك أوكامبو، بادعاء نقص الولاية الجغرافية بمعنى أن فلسطين ليست دولة. الآن تتضح أبعاد جديدة مهمة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي وافقت بموجبه على تغيير المكانة القانونية لفلسطين الى دولة عضو مراقب، الأمر الذي أسقط ذريعة أوكامبو واعترفت به القاضية منسودا. لم يعد محل جدل أن فلسطين دولة تنطبق عليها الاتفاقيات الدولية، ولم يعد ثمة شك في اتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب. الكل يرعد ويزبد في إسرائيل، فلقد وصف نتنياهو ذلك اليوم على أنه يوم أسود في تاريخ الدولة، أما أقرانه فبدأوا يتحسسون رؤوسهم، ومنهم من دعى الى منح السلطة ثمانية وأربعين يوما حتى تسحب شكواها من المحكمة وإلا….، قد تكون هذه بداية طريق طويل ينطوي على احتمال أن يصل الضحايا الى العدالة، لكنه أيضا ينطوي على إمكانية قطع هذا الطريق، من خلال جهد أمريكي إسرائيلي حتى لو أدى الى القتل، غير أنه يترتب على الفلسطينيين في كل الحالات أن يتجنبوا بكل قوة خوض هذه المعركة في سياق الصراع المفتوح مع الاحتلال.