طلال عوكل يكتب: العراق في الطريق إلى «ربيع أحمر»

وسط الاضطراب الكبير الذي يسود المنطقة العربية طولاً وعرضاً منذ نهاية العام 2010، يصل الاضطراب إلى العراق، ولبنان، وكان يمكن للحراك الشعبي، أن يبدأ من هذين البلدين العربيين، نظراً لتوفر الظروف سواء  الداخلية أو الخارجية. إذ كان لبنان بتركيبته الطائفية التي تشكل بيئة خصبة للفساد والإفساد، ولكونه بلداً فقيراً بالموارد الطبيعية، وساحة لصراعات داخلية وخارجية أفقرت شعبأ وأدمته حتى العظم، فإن بلداً نفطياً وغنياً بموارده الطبيعية، قادر على توفير مستوى حياة أفضل لمواطنيه.

ورغم كل ما يقال سلباً أو إيجاباً عن الوضع في العراق، قبل الغزو الأمريكي المدمر، لم يكن أحد يسمع أو يجرؤ على تعريف نفسه، من خلال تعبيرات طائفية، لكن مصلحة المحتل الأمريكي، اقتضت من أجل السيطرة، استثارة كل أشكال التناقض والتفرقة والصراع بين مكونات المجتمع.

الولايات المتحدة قامت برعاية عملية سياسية ديمقراطية، شكلياً، تقوم على تشريع الطائفية السياسية والاجتماعية، بما يمكنها من نهب البلاد، وإفقار العباد، وإتاحة المجال لكل أنواع الفساد، ونمو فئة واسعة من القطط السمان، مما ترك السلطة غير قادرة على القيام بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لمواطنيها. فوق هذا وذاك خضعت البلاد، لحالة من الاستقطاب الإيراني الأمريكي، الذي أنتج ميليشيات مسلحة موازية للجيش والأجهزة الأمنية، ومتصارعة، طحنت المجتمع بكل مكوناته وطوائفه بما في ذلك الشيعة، الذين يشكلون الأغلبية. ليس صدفة إذاً أن تعم المظاهرات والاحتجاجات، المناطق والمدن، التي يسكنها أغلبية شيعية، من البصرة جنوباً والناصرية حتى كربلاء والنجف وصولاً إلى بغداد العاصمة. كما ليس صدفة أن يتصدر المشهد من بين الأحزاب والجماعات، تيار الصدر، الذي ينتمي طائفياً للشيعة، ولكنه يقدم أطروحات وطنية، مناهضة لقطبي الاستقطاب إيران والولايات المتحدة. في العموم فإن شيعة العراق، الذين يصفهم الإيرانيون بأنهم شيعة الولايات المتحدة، لا يقبلون تاريخياً أن تكون مرجعيتهم في قم أو غير قم من المدن الإيرانية، فالمراكز الدينية المقدسة عند الشيعة موجودة في كربلاء والنجف أساساً. من  هذا المنطلق أيضاً كان دور المرجع  الشيعي الاعلى في العراق السيد السيستاني، في اتجاه مناصرة الحراك الشعبي عموماً، بدون أن يصدر عنه طرحه أي موقف مباشر ناقداً لإيران. الحراك الشعبي منذ بداياته، رفع شعارات مناهضة لإيران ورموزها، ولا يتوقف عن المطالبة بهدم النظام الطائفي، ومحاسبة الفاسدين غير أن النظام لا يزال يناور ويداور عند حدود إجراءات إصلاحية لم تعد مقبولة من الناس.

إزاء المشهد العام، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية، مناصرة النظام، بدون تعمد الظهور الصارخ، وذلك بهدف تركيز الصراع الداخلي في اتجاه ايران ومشايعيها، وكأنها لا علاقة لها بالحال الذي وصلت إليه البلاد. في العموم، فإن الشعب العراقي الذي دفع أثماناً باهظة، ابتداءاً من الغزو الأمريكي، إلى الحرب في مواجهة الإرهاب، إلى الصراعات الطائفية والفساد والعجز عن تقديم الخدمات الأساسية، وتزايد الديون على الدولة، هذا الشعب من غير الممكن أن يستكين قبل أن يطيح بالواقع القائم، حتى لو تطلب ذلك المزيد من التضحيات.

الشعب العراقي كما اللبناني، لم يعد يتحمل الأعباء الثقيلة، الناجمة عن التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية، التي تحمي نظاماً طائفياً فاسداً عبر عملية سياسية ديمقراطية كاذبة مكرسة، لشرذمة الدولة، وإفقار شعبها ونهب ثرواتها، وإضعافها إلى الحد الذي يخرجها عن سياقها التاريخي ويحيلها إلى دولة فاشلة. في هذا السياق لا يمكن تجاهل الأبعاد الإقليمية التي تتصل بالحراك القوي الجاري في العراق ولبنان، من حيث كونه في أحد جوانبه، يستهدف الدور والنفوذ الإيراني، الذي بات يقلق النظام العربي الرسمي. إذا كان الأمر على هذا النحو فإن الأيام القادمة، من المرجح، أن تشهد، تدخلات إقليمية ودولية، وقد يصل دور بعض الأطراف، إلى تصعيد العنف، وحرف الحراك الشعبي السلمي عن مساره، الأمر الذي بادرت إليه الحكومة العراقية مما أدى إلى سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى . الحراك الشعبي مايزال  في بداياته نحو   طريق طويل من المرجح ان تتدخل الايادي الخارجية كل وفق حساباتها و مصالحها و التي لا تتطابق مع حسابات و مصالح الشعب العراقي .