طلال عوكل يكتب: الوطنية والقومية في مواجهة الأطماع الخارجية

عملية اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ذائع الصيت قاسم سليماني، في بدايات العام 2020، تفتح المجال للاعتقاد بأن هذا العام، من المتوقع أن تشهد ساحة الشرق الأوسط، المزيد من الارتباك والصراعات وربما الحروب. لم يخف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسؤوليته عن اتخاذ القرار منتهكا سيادة بلد عربي، يعاني في حالة ضعف وارتباك، ويتعرض لاختراق في سيادته في أكثر من طرف، بما يجعله ساحة صراع وتصفية حسابات.

العراق فوق ما يعانيه من فساد و فوضى، وانتشار الميليشيات المسلحة، ومن استنزاف لقدراته وثرواته، يخضع لاستقطاب حاد بين الولايات المتحدة وإيران، وهما قوتان تملكان وجودا عسكريا، و تتمتعان بنفوذ واسع في الطبقة السياسية والاجتماعية العراقية. الحراك الشعبي الجاري في العراق منذ أشهر بات يشكل طرفا في عملية الاستقطاب، بما أنه يرفض وجود كل القوى الأجنبية وعلى رأسها إيران و الولايات المتحدة. بالغت الولايات المتحدة في تعظيم صورة و دور سليماني، بهدف تعظيم الانجاز السياسي والمعنوي، واعتبرت غيابه خطوة أكيدة نحو استعادة الولايات المتحدة الردع مع إيران، التي تدرك الإدارة الأمريكية أنها غير قادرة وغير راغبة في الدخول في حالة حرب مع الدول العظمى. التهديدات الإيرانية رفعت سقف التوقعات إيزاء ردها المرتقب الذي يفترض أنه مزلزل ومدمر، ولكنها اكتفت برد استعراضي في الزمان والمكان اللذين وقعت خلالهما عملية اغتيال سليماني والمهندس. على أن اغتيال سليماني بإعلان رسمي أمريكي يؤشر إلى أن هذا النوع من العمل ممكن أن يتكرر بحق قيادات أخرى، لقوى عربية وفلسطينية تصنفها الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب. وفيما تتعرض إيران للمزيد من العقوبات الاقتصادية الفاعلة من قبل الولايات المتحدة، في حرب استنزاف تستهدف قدراتها ولإخضاعها لقواعد سياسية مختلفة، فإن إيران هي الأخرى، من المتوقع أن يكون ردها على السياسة الأمريكية، خوض حرب استنزاف، عنوانها وفق اعلانات ايرانية متكررة، تجفيف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وفي غرب آسيا. المشكلة أن إيران لم تحدد بالضبط معسكر أعدائها ومعسكر حلفائها، إذ تواصل سياسة التهديد لجيرانها في الخليج العربي وفي عديد من البلدان العربية، إلى جانب تهديداتها المستمرة للولايات المتحدة وإسرائيل.

على جانب معسكر الحلفاء، فإن علاقاتها وتحالفاتها مع روسيا أو الصين لا تقف على أرضية صلبة، لأسباب عديدة تتصل بالمصالح، ولذلك فإنها تستند إلى ما يعرف بمحور المقاومة، وهو محور عربي إيراني يشمل سوريا، وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله والحوثيين في اليمن والفرق الشيعية في العراق. هذا المحور عمليا يواجه صعوبات وطنية عديدة، حيث أن الحراك اللبناني والعراقي عمليا يستهدف أطراف محور المقاومة في هذين البلدين. الحوثيون في اليمن يواجهون الدولة اليمنية والتحالف العربي، أما في فلسطين فإن معادلات السياسة والمصالح، والجغرافيا، تحد من قدرة حركتي حماس والجهاد الإسلامي على الحركة، وفقا لمؤشرات إيرانية. في سوريا الوضع معروف، فعدا عن الصراع الجاري، فإن الدور الروسي فيها يشكل عامل ضبط لأي حراك، سواء ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة. هذا يعني أن المنطقة مفتوحة على صراعات مريرة، طويلة ومكلفة لأهل المنطقة، التي تخضع لصراع مصالح و نفوذ من قبل قوى إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا، فضلا عن صراع القوى الدولية الأخرى التي تسعى وراء مصالحها. الكل يبحث عن مصالحه، في هذه المنطقة الاستراتيجية، ويقيم التحالفات، ويواصل التدخلات الخشنة، فيما يستوجب هذا من العرب، أن يشكلوا محور الدفاع عن مصالحهم وعن التحالفات التي تخدم هذه المصالح حتى لا يتفرق الدم والثروة العربية بين القبائل الإقليمية والدولية. وإذا كان على كل دولة عربية أن تهتم بأولوياتها الوطنية بتواصل قوي مع البعد العربي، فإن على الفلسطينيين أن يهتموا أيضا بأولوية قضاياهم وقضيتهم العربية، بتواصل مع البعد العربي قبل الإسلامي والإنساني.

إن المستوى الذي تبلغه خطورة المخططات التوسعية الإسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، لا تترك للفلسطينيين ترف خوض معارك الآخرين، مما يستدعي منهم ومن أشقاء العرب توفير مستلزمات تحقيق الأولوية الوطنية ذات البعد القومي.