طلال عوكل يكتب: تفجيرات غزة والمراجعة المطلوبة

من غير الممكن، تجاهل الرسائل العميقة، التي ينبغي استخلاصها من قراءة أبعاد العمليتين الانتحاريتين اللتين استهدفتا حاجزي شرطة حماس، يوم السابع والعشرين من الشهر المنصرم، وأدت إلى استشهاد ثلاثة وجرح آخرين.

الشهداء في غزة، يسقطون لأسباب عديدة، فمنهم من يستشهد خلال مسيرات العودة، ومنهم من يستشهد بسبب قصف إسرائيلي هو متوقع في كل وقت، ومنهم من يستشهد نتيجة أخطاء يجري تسويقها على أنها مهمات جهادية، غير أن سقوط شهداء جراء عملية انتحارية داخلية، ينطوي على أبعاد قليلة ومختلفة.

ثمة ضرورة عاجلة لإجراء مراجعة شاملة وعميقة، من قبل حركة حماس التي تسيطر على السلطة في قطاع غزة، وتديرها منذ أكثر من اثني عشر عاما، وربما يقتضي الوضع بأن تكون هذه المراجعة وطنية وشفافة طالما أن الفصائل في غزة تمر في مرحلة توافق عام، رغم الخلافات خصوصًا حول الانقسام وحول كيفية التعامل مع مسيرات العودة وكسر الحصار.

والسؤال هو ما الذي يدفع شابين فلسطينيين في مقتبل العمر للقيام بعملية يعلمان مسبقا أنها ستؤدي إلى وضع حد لحياتهما؟ من المؤكد أن المسألة لا تتصل بعمل فردي مهما كانت الدوافع والأسباب، وقد أشارت التحقيقات إلى أنهما جزء من مجموعة جرى اعتقال أفرادها، وأنهما يتغطيان بانتماء على الأرجح شكلي لحركة الجهاد الإسلامي.

بعض التصريحات المنفعلة والمستعجلة، التي صدرت وجهت الاتهام لجهاز المخابرات الفلسطينية الذي يتبع السلطة، غير أن ذلك الاتهام سياسي منشؤه الخلاف حول الانقسام والمصالحة، ذلك أن التحقيقات المختلفة كانت ستستبعد مثل هذا الاتهام.

السبب في ضرورة استبعاد هذا الطرف من المسؤولية عن تلك العمليات الإجرامية، هو أن سجل العمل الوطني الفلسطيني، خصوصا المرتبط بمنظمة التحرير وفصائلها، لا يعرف حالة واحدة قام فيها طرف بعملية انتحارية ضد طرف فلسطيني آخر، بالإضافة إلى ذلك فإن الدوافع الشخصية لدى أفراد الأجهزة والفصائل، لا تقدم لمن يقبل بمثل هذا العمل ثمنًا يستحق التضحية بحياته. الدوافع الشخصية في مثل هذه الحالة لا يمكن إلا أن تكون وعد الجنة والحوريات السبعين التي يوعد بها الشهداء.

عادة يتم توجيه التهم للاحتلال الاسرائيلي، بما أنه كل الوقت صاحب المصلحة في ملاحقة واغتيال المناضلين الفلسطينيين، وإسرائيل بالتأكيد مستفيدة في كل الأحوال، خصوصا حين تؤدي مثل هذه الأعمال، إلى تعميق التناقضات والصراعات بين فصائل المقاومة. يمكن لإسرائيل أن تدفع بعض عملائها للقيام بعمليات صفرية، حتى لو أدت إلى إنهاء حياة الفاعلين، لكن مثل هذا العمل سيكون حين تستهدف شخصية قيادية مهمة، أو هدفًا ذا قيمة كبيرة، مع الاحترام للشهداء الذين سقطوا في تلك العمليات.

إن توجيه الاتهام لجهات تستبعدها منطقة التحليل، ينطوي على تضليل مقصود في الأغلب، وتسويق لمنطق وبضاعة لن تجد مشترين لها لا من قبل الأطراف السياسية ولا من قبل الجمهور، الذي يمتلك من الوعي والتجربة ما يمكنه من التمييز بين الغث والسمين.

أجهزة حماس أصدرت بعض المعلومات الاولية، لكنها تكتمت على التحقيقات، لجهة تحديد الأسباب والدوافع والأهداف والجهة الحقيقية المسؤولة عن تلك الجرائم، غير أن ما صدر لم يُجب عن أسئلة الجمهور الفلسطيني القلق، الذي يخشى من أن تمتد دائرة النيران والعنف العبثي، إلى ما يشبه ما تقوم به الجماعات الإرهابية المتشددة في المنطقة.

في الواقع فإن المراجعة الضرورية المطلوبة، ينبغي أن تذهب إلى عمق وأبعاد الخطاب الديني، الذي يقوم على التكفير والإقصاء وعدم الاعتراف بالآخر ومن دون استبعاد مسؤولية حماس عن تبني وبث هذا الخطاب وهذه الثقافة.

الجماعات الإرهابية كانت قد كفرت حركة حماس بزعم أنها لا تطبق الشريعة، ولذلك فإن هذا الخطاب أنتج نقيضه من حيث الجهة المستهدفة، ومن حيث إنتاج فكر داعشي متطرف بعض النظر عن المسميات والأغطية التي يتحرك تحتها.

لم تكن تلك العمليات المجرمة معزولة، ومن غير المحتمل أن تكون الأخيرة، رغم ما تمتلك “حماس” من معلومات وخبرة وإمكانيات لوجيستية وأمنية.

إن الهدف سيظل مرهونًا بالوقت المناسب لتعميم الفوضى في قطاع غزة وإنهاك حركة حماس وإرباك الفصائل والمجتمع انطلاقًا من دوافع وأهداف، تخدم أولا وأخيرا الاحتلال الإسرائيلي واستراتيجياته، ما لم ينته الانقسام، وتتحول المقاومة إلى مقاومة شاملة مستديمة وحقيقية غير مرتبطة بمصالح وأهداف محدودة واستثمارات فئوية، ما لم تؤد المراجعة، إلى تغيير جوهري في الخطاب الديني نحو تعميق الوطنية الفلسطينية.