طلال عوكل يكتب: ثمة فرق بين التخطيط والعشوائية

651

كانت اسرائيل قد اشتغلت، منذ تفكيك مستوطناتها، وإخلاء وجودها من داخل قطاع غزة عام 2005، من أجل تحقيق هدف الإطاحة بإمكانية تحقيق رؤية الدولتين، وفصل القطاع وإبعاده جنوبا والتخلص من أعباءه الديمغرافية والحياتية.

حين باشرت القوات الإسرائيلية عملية تفكيك المستوطنات وإخلاء وجودها من داخل القطاع، تعمدت أن تفعل ذلك بدون أدنى تنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية، في محاولة لخلق حالة من الفوضى في ضوء ازدياد حجم ونفوذ ودور حركة حماس، بعد سنوات من اندلاع انتفاضة الأقصى، حيث نجحت حماس في القيام بعدد كبير من العمليات الاستشهادية.

الخطوات الإسرائيلية منذ ذلك الحين جاءت منسجمة ومنسقة حسب استراتيجية تؤدي إلى خلق ظروف تمكن حماس من السيطرة على قطاع غزة، فوافقت على إجراء انتخابات عامة بما في ذلك تجاوز عقبة اجراءها في القدس، وراحت تشجع وتوسع دائرة الفوضى في القطاع، ولم تعترض حينها على إجراء الانتخابات بسبب إعلان حماس قرارها بخوض تلك الانتخابات. المصلحة الإسرائيلية اقتضت حين ذاك إزالة العقبات التي تحول دون اجراء الانتخابات، رغم سياستها المعلنة التي تصنف حركة حماس كحركة إرهابية، ولم يكن ذلك من باب تعزيز الديمقراطية الفلسطينية وإنما نصب أفخاخ لإسقاط الساحة الفلسطينية في مستنقع الانقسام. الفلسطينيون وقعوا في الفخ، وجاءت حساباتهم مختلفة، لتسهل على إسرائيل مهمة الفصل والتهرب من مسؤولياتها القانونية والإنسانية عن قطاع غزة كدولة احتلال. ولأن إسرائيل تواظب على وضع خطط استراتيجية، وتحرص على تعديلها سنويا وفق المتغيرات من خلال مؤتمرات نخبوية تضم أعلام الفكر والسياسة والثقافة والأمن والاقتصاد، فإنها اليوم تستثمر ما زرعته في عام 2005، وساعدها في ذلك الصراع الفلسطيني على السلطة. وقد حان وقت الحصاد المر، فبعد اثني عشر عاما من الانقلاب الحمساوي وتحت سمع وبصر إسرائيل، راكمت حماس والفصائل قوة عسكرية كبيرة لا يستهان بها، وكانت الفترة كافية لمأسسة الانقسام.

لسنا بصدد استعراض وتحليل كامل للتطورات التي وقعت خلال تلك الفترة الطويلة من الانقسام، ولكن لنؤكد على أن إسرائيل اشتغلت وفق مبدأ ثبات الاستراتيجية وحركية وتغير الاشكال والأساليب التكتيكية. إسرائيل التي شنت على قطاع غزة ثلاثة حروب مدمرة، لم يكن هدف أيا منها إنهاء سيطرة حماس على القطاع، وها هي اليوم لا ترى ضرورة لشن حرب أخرى رابعة بالرغم من أن فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس، توفر لإسرائيل ذرائع قوية من خلال مسيرات العودة المستمرة منذ أكثر من ستة أشهر. كان أقل من هذه الأحداث التي تعبر عنها مسيرات العودة كافيا لأن تبادر إسرائيل إلى شن عدوان واسع على القطاع، لكنها اليوم وفي ضوء سياسة الولايات المتحدة تمتنع عن ذلك طالما أنها تستطيع تحقيق أهدافها بدون الحاجة إلى مغامرات عسكرية.

التهديدات الإسرائيلية اتجاه قطاع غزة لم تتوقف منذ الثلاثين من آذار هذا العام، وقد تصاعدت حمى تلك التهديدات في الأسبوع الأخير، مما دفع الكثير من المحللين للذهاب نحو ترجيح وقوع مثل ذلك العدوان. في الواقع ثمة تصعيد عملياتي من قبل الطرفين، فحماس نشطت العمل الشعبي شمال قطاع غزة بالإضافة إلى شرقه وزادت الحضور الشعبي فضلا عن تصعيد في إطلاق الأطباق الطائرة والبالونات الحرارية، والعبوات محلية الصنع. من طرفها إسرائيل أرفقت تهديداتها بتحريك المزيد من الآليات والقناصة وتعزيز منظومة القبة الحديدة، وإعلان منطقة غلاف غزة منطقة عسكرية مغلقة. من ناحية تصعد إسرائيل بتهديداتها المشروطة بتصعيد مقابل، محسوب من قبل الطرفين بالورقة والقلم، ومنضبط لما دون الانفجار الشامل. غير ان تصاعد التهديدات لم يكن بلا هدف والهدف هو خلق ظروف مناسبة للبدء بإعادة تأهيل قطاع غزة من جانب إسرائيل، وكسر الحصار من جانب حركة حماس، وكل هذا بسبب تعطل المصالحة والتهدئة، الطرفان حماس وإسرائيل يستعجلان توفير مناخ لتحريك الوضع في القطاع، وكل وفق دوافع مختلفة ونتيجة واحدة. الوقت بالنسبة للفلسطينيين يكاد ينفذ دون تحقيق المصالحة وبالتالي التهدئة، ولذلك فإن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تتجاوزا السلطة رغم أنها مطلوبة كشريك، نحو الدخول العملي في خطة تأهيل قطاع غزة.

لقد ظهر المؤشر الأول على ذلك، من خلال اتفاق على تحسين وضع الكهرباء بغزة، وبتمويل قطري. السلطة التي تعترض على ذلك وبإمكانها تعطيل الاتفاق، قد تتخذ المزيد من الإجراءات العقابية، ولكن السؤال هو إلى أي مدى يمكن أن تنجح السلطة في تعطيل هدف إعادة تأهيل قطاع غزة، في ضوء الاستعجال الأمريكي الإسرائيلي، خاصة وأن إسرائيل تحرض على السلطة التي تعتبرها مسؤولة عن خنق القطاع، وحصر كل الخيارات في الحل العسكري، بمبادرة من أحد الطرفين، إسرائيل أو حماس؟ قد يتطلب الأمر تصعيدا محسوبا لأربع وعشرين ساعة لكن لن يؤدي ذلك إلى تفجير الوضع بما يفسد المخططات. هكذا يكون الفلسطينيون عاملا مساعدا على تنفيذ هذا الملف من ملفات صفقة القرن، سواء كان ذلك عن قصد أو بدون قصد، ولكن الأمر في الأساس يتصل بالفارق بين التخطيط والعشوائية.