طلال عوكل يكتب: جولة أخرى وليست أخيرة

جولة أخرى من مسلسل العدوان على قطاع غزة، بدأتها إسرائيل وهي التي أوقفتها، في التوقيت الذي أرادته، ويحقق لها أهدافها التكتيكية المنضبطة لرؤية استراتيجية، تقوم على تأبيد الانقسام، وأضعاف طرفيه.
يعرف نتنياهو مسبقا، أن إقدامه على الإطاحة بتفاهمات التهدئة التي وقعت قبل الانتخابات العامة بأيام قليلة، من شأنه أن يستدرج ردا قويا من قبل فصائل المقاومة الفلسطينية.
وحتى يضيف إلى هذا العامل، شيئاً من البهارات الحارة، لكي يتأكد من استدراج الفصائل، صعدت إسرائيل في تعاملها مع مسيرة العودة الجمعة المنصرمة، الثالث من هذا الشهر، حيث استخدم الجيش الرصاص الحي بصورة مكثفة مما أدى إلى سقوط خمسة شهداء وأكثر من خمسين جريحا، إصابات العديد منهم خطرة.
الرد الفلسطيني جاء قويا وبدى وكأنه نديا للقصف الإسرائيلي الواسع، لكن الجولة انتهت بعد ثماني وأربعين ساعة فقط، وهذا ما أراده نتنياهو.
ولكن لماذا بادر نتنياهو هو إلى إشعال هذه الجولة وفي هذا التوقيت بالذات؟ أراد نتنياهو تحقيق أكثر من هدف في آن واحد، فهو أولا أرد أن يطيح بمعادلة التهدئة مقابل ثمن يحصل عليه الفلسطينيون، ونحو فرض معادلة هدوء مقابل هدوء، بمعنى العودة إلى الوضع الذي انتهت إليه الحرب عام 2014.
ثانيا أرد نتنياهو أن تساعد هذه الجولة في الاجابة عن أسئلة اليمين المتطرف، خصوصا ليبرمان، الذي يلح على ضرورة تغيير أشكال وأساليب التعامل مع فصائل المقاومة في قطاع غزة، و كل ذلك بغرض تسهيل تشكيل ائتلافه الحكومي.
ثالثا أراد نتنياهو أن يضمن بأن الأيام القليلة القادمة، لن يتفاجأ بنشاط فلسطيني، يعكر المناخ، الذي يريده نتنياهو، للنجاح في إقامة مهرجان الأغنية الأوروبية، والاحتفالات بما يسمى بعيد الاستقلال، وذلك أن صيغة التهدئة بعد هذه الجولة، تستلزم هدوء فلسطيني، لا يعكر صفو الأمن الإسرائيلي. وأخيرا اراد نتنياهو أن يعيد صياغة الوضع الإسرائيلي الذي تمتع بقدرة الردع، وبأن إسرائيل هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.
ومن جانبهم الفلسطينيون عالقون، بين رفض صيغة هدوء مقابل هدوء، وبين التصعيد إلى حد توفير مبرر لإسرائيل لكي تشن عدوانا واسعا على قطاع غزة، وبعد أن فشلت الوسائل الخشنة، على الحدود، من أن تلزم إسرائيل بالانصياع لتفاهمات تهدئة مثمرة، تؤدي إلى تخفيف الحصار عن قطاع غزة.
التهدئة التي تم التوصل إليها بعد الجولة الأخيرة، تتسم بقدر من الغموض، بشأن ما الذي وافقت عليه إسرائيل وما الذي رفضته، لكن المصادر الرسمية الإسرائيلية لم تتوقف عن اعتبار ان التهدئة هشة، وأن الأيام القادمة ستشهد تصعيدا قويا ضد فصائل المقاومة.
في هذا السياق ثمة سؤال يطرح عديد من المراقبين، بشأن استثمار الوقت والظروف التي تمر بها إسرائيل خلال هذه الجولة، وخلال الجولة التي سبقت.
يعتقد البعض أن المقاومة في غزة، كان بإمكانها أن تطيح بنتنياهو في الانتخابات، لو أنها واصلت القتال، خاصة وأن إسرائيل قبل الانتخابات، كانت تسمح لها الظروف بالمبادرة إلى عدوان واسع.
وفي الجولة الأخيرة يتكرر الأمر، حيث أن المقاومة في حال واصلت القتال، فإنها كانت ستفشل احتفالات إسرائيل، وستفشل مهرجان الاغنية الأوروبية.
الجواب الأولى والسريع يكمن في مدى خطورة وتأثير الانقسام الفلسطيني، واستمرار تمسك الأطراف بحساباتها الفصائلية.
في مطلق الأحوال، فإن من غير الممكن، الثقة بأن إسرائيل يمكن أن تغير من طبيعتها، وتعمل على الالتزام بهذه التهدئة، ذلك أنها لم تفعل ذلك ولا مرة، وكذلك فإنه يترتب على الفلسطينيين، مرة أخرى بعد الألف إدراك مدى أهمية استعادة وحدتهم، خاصة قبل أن تطرح الولايات المتحدة صفقتها في السوق.