طلال عوكل يكتب: حين لا ينفع السحر الساحر

في حين اعتقد البعض، أن الإدارة الأمريكية، توقفت أو تراجعت عن الترويج والعمل لمتابعة صفقة القرن، يفاجئ هؤلاء إعلان وزير الخارجية بومبيو، باعتبار أن المستوطنات لا تخالف القانون الدولي. كان السفير الأمريكي في إسرائيل المستوطن ديفيد فريدمان، قد صرح قبل ذلك ومرارا، بأن الاستيطان يحظى بالشرعية، أما غرينبلات فسبق له أن أعلن أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها أرضا محتلة. يتطابق هذا الموقف مع القراءة الإسرائيلية المخلوطة لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، تلك القراءة التي تلعب على فارق الصياغة بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية، فتعتبر أن المناطق التي يتضمنها القرار أراض متنازع عليها. وفق هذا التفسير، مارست إسرائيل سياسة ثابتة تقوم على مصادرة أراضي الفلسطينيين، وزرع وتوسيع المزيد من المستوطنات، ونقل اليهود المتطرفين إليها، حتى وصل عددها الى نحو خمسمئة مستوطنة وبؤرة، بعضها بمواصفات مدينة، يستوطنها نحو سبعمائة ألف.

إسرائيل استغلت مرحلة أوسلو، حيث ضاعفت نشاطها الاستيطاني وبوتائر سريعة، الأمر الذي شكل كل الوقت مؤشرا عمليا خطيرا على مدى التزام الدولة العبرية بموجبات واتفاقيات عملية السلام. في غياب طرف آخر إلى جانب إسرائيل، فإن الصفقة تفقد مواصفات وخصائص الصفقات، وتتحول الى سياسة أو مخطط أمريكي إسرائيلي متطابق، لفرض وقائع على الأرض تنسف الأسس التي يمكن أن تقوم عليها أي عملية سلام. الولايات المتحدة ماضية في طريق تنفيذ تلك المخططات، التي بدأتها بقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم شنت حربا على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”، واتبعتها بقطع كل أشكال العلاقة والمساعدة للسلطة والشعب الفلسطيني، قبل أن تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لإعلان سيادتها على الجولان المحتل.

تصريح وزير الخارجية الأمريكية بومبيو يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل، كي تعلن بسط سيادتها على منطقة الغور، والمناطق التي تصادرها المستوطنات. كان نتنياهو قد طالب الإدارة الأمريكية بذلك، مثلما سبق له أن طالبها واستجابت بإصدار موقف بشأن الجولان، وهو يرى في الإعلان الجديد أنه سيمكن إسرائيل من رسم حدودها الشرقية مع الأردن. في التفاصيل ثمة أهمية للتوقيت الذي أعلنت فيه الادارة قرارها بشأن المستوطنات، حيث جاء في سياق محاولة تقديم مساعدة لنتنياهو قبل يوم واحد من انتهاء المدة القانونية للتكليف، الذي حصل عليه منافسه بني غانتس لتشكيل الحكومة. بالتزامن مع إعلان بومبيو كانت الطائرات الورقية تقوم بقصف واسع لعدد من الأهداف في دمشق ومحيطها، بادعاء أنها لمنع تموضع إيران وحزب الله في سوريا. يحاول نتنياهو بمساعدة الولايات المتحدة تقديم نفسه باعتباره رجل الأمن والردع، ورجل المصالح الكبرى والانجازات، الذي لا يحظى بمواصفاته وقدراته أي منافس آخر. على أن محاولات نتنياهو ومساعدات الإدارة الأمريكية، لإنقاذ نفسه باءت بالفشل الذريع بعد أن أعلن المستشار القضائي للحكومة أفخاي مندلبليت، لائحة الاتهام التي تتضمن خيانة الأمانة والرشوة والفساد. وعلى الرغم من أن إعلان لائحة الاتهام يشكل مجرد البداية لإنهاء الحياة السياسية لنتنياهو، الذي قد يواجه الجن، حيث أن ثمة متسع قبل أن تصل الى المحاكم، الآن الرجل أكد أنه لن يستسلم أو يستقيل من منصبه وتمادى في جنونه حين أعلن الحرب على القضاء والشرطة والإعلام والمنافسين والمعارضين.

نتنياهو الذي عين مندلبليت في محاولة للتواطؤ حول ملفات الفساد، يعلن أنه تعرض لانقلاب ضده، ويطالب بلجنة تحقيق مستقلة للتحقيق مع المحققين. نتنياهو سيواصل تمسكه برئاسة الحكومة، طالما أن أحدا لم ينجح بعد في تشكيل حكومة جديدة، وطالما أن لائحة الاتهام لم تصل بعد الى المحاكم، وهو إذا لم يحصل على الحصانة من الكنيست فإنه من المرجح لإنقاذ نفسه، أن يدفع الأوضاع في الإقليم نحو التصعيد، وربما شن حربًا واسعة في الجنوب أو الشمال، لوضع البلاد في دائرة مواجهة خطر قومي، لعله يجد لنفيه ومستقبله مخرجًا ومنقذا. إن شخصية على هذا القدر من النرجسية، لا يتورع عن اتباع سياسة الأرض المحروقة في الداخل الإسرائيلي وفي المحيط، وقد يبدأ بإعلان ما حول منطقة الغور، على قاعدة إما أنا أو فليكن الطوفان.