طلال عوكل يكتب: حين ينفجر لبنان

(لا الشعب السوداني ولا الشعب الجزائري اقوى من الشعب اللبناني، نحن هنا من اجل اسقاط النظام و لسنا دمى تحركها السفارات الاجنبية) هكذا قال بحماسة شديدة أحد العسكريين المتقاعدين، الذي انضم الى اكثر من خمسين الفا تظاهروا في طرابلس العاصمة الثانية للبنان. العلم اللبناني هو سيد المشهد الذي يخترق التابوهات الطائفية، إن كان ذلك في لبنان أو في عواصم أخرى خرجت الجالية اللبنانية تحمل المطالب ذاتها التي يرفعها أهلهم في الوطن. فقط ظهرت أعلام حزب الله و حركة أمل ضمن تظاهرة بالدراجات النارية في بيروت بعد بضعة أيام من بداية الاحتجاجات الشعبية العارمة. ثمة ارتباك في الشعارات التي يرفعها الجمهور، فبعض المتظاهرين يتحدثون عن ثورة لإسقاط النظام، وآخرون يطالبون بإسقاط الحكومة، و الدعوة لانتخابات مبكرة، و بعض آخر يرفع شعار استقالة الرئاسات الثلاث.

الأوضاع في لبنان قبل بدء الحراك، كانت قد وصلت حد الأزمة العميقة حيث ينتشر الفساد على نحو واسع، و تنتشر المحسوبية بدوافع طائفية و تعاني الحكومة من عجز الموازنة و ارتفاع قيمة الديون الخارجية و الفوائد عليها فضلا عن البطالة و الفقر وعجز الحكومة عن تحسين الأوضاع المعيشية و عن تقديم و تحسين الخدمات الأساسية، و كبح غول الغلاء الفاحش. لبنان قد يكون الدولة الوحيدة في العالم، التي يزيد كثيرا عدد مواطنيها خارج الدولة عن الذين يعيشون فيها. البعض يدعى أن الأزمة أزمة حكم حيث تتهم بعض القوى المشاركة في الحكومة الرئيس ميشيل عون و تياره بالاستبداد وتتحدث عن سيطرة حزب الله على الحكومة، لكونه جزءًا من تحالفات تحوز على ثمانية عشر وزيرا في حكومة مؤلفة من ثلاثين وزيرا، كانت قد تشكلت مطلع هذا العام بعد تسعة أشهر من الفراغ الحكومي.

في الواقع فإن أزمة لبنان تكمن في الأساس في الهوية و التركيبة الطائفية للنظام، و هي تركيبة سادت منذ استقلال لبنان عام 1945، في ضوء ذلك لم يكن ممكناً لكل الخطط والاقتراحات التي يقدمها رئيس الحكومة سعد الحريري أو جماعة جنبلاط أو الرئيس عون أن تنجح طالما أنها لا تعالج جذور الأزمة، وإنما تحاول تهدئة الجمهور من خلال التراجع عن القرارات الضريبية التي كانت الحكومة ستتخذها و تحمل المواطن العبء الأساسي. الخشية تكمن في أن بعض الأطراف غير الداعمة للحراك الشعبي، تحاول أن تدفع الجيش الوطني للخروج من دائرة الحيادية الى التدخل لفتح الطرق، مما يعني الصدام مع الجمهور، ما يجري في لبنان هذه الأيام يختلف جذريا عن الاحتجاجات السابقة، التي كانت تطرح شعارات مطلبية، ذلك أن الأزمة الشاملة تنخر في عظام ملايين اللبنانيين من مختلف الطوائف. مؤشرات الصراع بين أحزاب الطوائف، و محاولة بعضها التقرب من الجماهير وإلقاء المسؤولية على أحزاب أخرى، هذه المؤشرات دفعت حزب القوات اللبنانية الذي يتزعمه سمير جعجع و الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط الى الاستقالة من الحكومة. على أن استقالة الحكومة أو تخلي الرئيس ميشيل عون عن الوزير جبران باسيل، الذي اتخذ قراره الأحمق لفرض ضرائب على الاتصالات، لا يحل المشكلة وإنما قد يعود لبنان الى دائرة الفراغ الحكومي لأشهر طويلة، حيث من غير المتوقع تشكل السحر لمعالجة الأزمة لا اليوم ولا غدا طالما بقى النظام الطائفي قائما. في كل الحالات يبدو من الصعب و ربما المستحيل ان يستمر الحراك الشعبي حتى اسقاط النظام الطائفي، أو أن يعود الناس الى بيوتهم بمجرد إطلاق بعض الوعود أو إعلان بعض الخطط الإصلاحية، مما يعني أن أبواب لبنان باتت مفتوحة على صراعات قد تكون عنيفة، خصوصا و أن ثمة من ينتظر في الإقليم وعلى المستوى الدولي لاستغلال الأوضاع لتصفية الحسابات. الغائب عن الحراك الشعبي هو  القوى غير الطائفية القادرة على قيادة هذا الحراك في الاتجاه الذي يؤدي الى تغيير حقيقي، و لكن مع مرور الوقت قد يفرز الحراك قيادته الميدانية. الخشية من استمرار الحراك لفترة أطول دفعت بعض الأطراف اللبنانية لإطلاق تهديدات لقمع الحراك، الأمر الذي دفع الرئيس ميشيل عون لمطالبة الجيش بحماية الحراك الشعبي، و في أول تحرك له قام بالتعرض لراكبي الدراجات النارية، الذين حاولوا اختراق و ارباك الحشود في بيروت، الأمر الذي يؤشر الى احتمال قرب ارتفاع درجات الحرارة في لبنان.