طلال عوكل يكتب: غزة تقفز عن الحاجز الأول

230

لم يعد ثمة ضرورة لمزيد من التكهنات والتسريبات، بشأن نجاح الوفد الأمني المصري، في تحقيق تفاهمات بشأن التهدئة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في قطاع غزة. التصريحات التي تصدر عن أطراف فلسطينية عديدة حول نجاح المساعي المصرية تؤكدها الأفعال والممارسات على الأرض. كان السؤال المطروح خلال مرحلة ما قبل التوصل إلى هذه التفاهمات هو ما إذا كان من الممكن تحقيق تهدئة قبل إنجاز المصالحة المتعطلة حتى الآن. الجواب عمليا جاء بالإيجاب وكان واضح منذ كثير من الوقت، أن كل الأطراف الدولية والإقليمية وإسرائيل والفصائل في غزة، يستعجلون في تحقيق هذا الإنجاز الذي سيؤدي إلى الإفراج عن سكان القطاع، وأن كل هذه الأطراف باستثناء السلطة الفلسطينية ليس بإمكانها انتظار المزيد من الوقت الذهبي، إلى أن تتحقق المصالحة وتكون السلطة الوطنية هي الشريك الرسمي في أية اتفاقات أو تفاهمات. من الواضح أن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل تستعجل الانتقال خطوة أخرى بعد خطوتي القدس واللاجئين، وقطع المساعدات المالية عن السلطة في الطريق لتنفيذ صفقة القرن وتجاوز العقبات التي تحول دون ذلك. بعد تصريحات عديد المسؤولين في حماس والجهاد الإسلامي، والهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار عن إيجابية اللقاءات مع الوفد الأمني المصري، وعن التوصل إلى تفاهمات بشأن التهدئة، جاءت الممارسات على الأرض لتؤكد ذلك. إسرائيل انتظرت مدى التزام الفصائل خلال مسيرات العودة يوم الجمعة الثاني من هذا الشهر، الذي يصادف الذكرى المئة وواحد لصدور وعد بلفور المشؤوم. مسؤول كبير في حركة حماس صرح قبل يوم الجمعة، أن الفصائل اتفقت على وقف العنف بجوار السياج الحدودي وعدم الاقتراب منه، ووقف إطلاق الأطباق الطائرة والبالونات الحارقة وإشعال الإطارات. التخريجة التي تتوافق عليها حركتي حماس والجهاد الإسلامي هي بأن مسيرات العودة مستمرة، ولكن بتكتيك جديد خلال المرحلة المقبلة. أما الهيئة الوطنية لمسيرات العودة وكسر الحصار، التي ثمنت اللقاء مع الوفد المصري، وهي تضم كافة الفصائل في غزة، أكدت على أهمية الحفاظ على سلمية وشعبية المسيرات وأدواتها، ودعت لاتخاذ كافة الإجراءات والتدابير التي تمنع وتفوت الفرصة على القناصة الإسرائيليين من النيل من المشاركين. تزامن ذلك مع بدء الجرافات بإقامة سواتر ترابية على طول الخط المعروف بشارع جكر من الجانب الفلسطيني، والذي يبعد عن السياج بحوالي ثلاثمائة متر وأكثر، ومرة أخرى يكون الهدف الحفاظ على أرواح المشاركين في مسيرات العودة. يوم الجمعة اتسمت المسيرات بهدوء نسبي ملحوظ حيث توقف إطلاق الأطباق الطائرة والبالونات الحارقة وإشعال الإطارات المطاطية، إلا ما ندر فضلا عن أن المشاركين ابتعدوا عن السياج الفاصل إلا ما ندر أيضا. من المتوقع ان تتوقف مسيرات العودة عن النشاط البحري، ومقابل مستوطنة زكيم في شمال القطاع. التفاهمات تشكل مرحلة أولى بحيث يتم تحقيق الهدوء على طول الحدود من قبل الطرفين، وبدون اشتراط وقف مسيرات العودة تماما، والتي ستستمر ولكن بانضباط شديد، وبعيدا عن السياج الفاصل لحين التوصل إلى هدنة طويلة.

خلال مرحلة قادمة، وفيما يتحدث الجانب الإسرائيلي عن هدوء مقابل هدوء، تتحدث فصائل المقاومة عن جملة من الإجراءات التي تستهدف تخفيف متدرج للحصار المفروض على قطاع غزة منذ إثني عشر عاما. يدور الحديث عن فتح المعابر بما في ذلك تحسين آليات العمل على معبر رفح، والسماح بتدفق البضائع بما في ذلك السولار القطري، وربما السماح بنقل أموال قطرية لتغطية رواتب موظفي حركة حماس لفترة تمتد بين ثلاث إلى ستة أشهر، والبدء بإطلاق عدد من المشاريع التشغيلية التي تتعلق بتحسين البنية التحتية. وفي وقت لاحق ربما تسمح إسرائيل بدخول خمسة آلاف عامل دون سن الأربعين للعمل في الأراضي المحتلة عام 1948. وخلال هذه الفترة أيضا لن تتوقف محاولات الجانب المصري عن متابعة ملف المصالحة ولعل استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس محمود عباس في مصر يشكل خطوة هامة على هذا الطريق.

لقد أصبح موقف السلطة بعدم السماح لإنجاز اتفاق حول التهدئة بدون مصالحة، خلف الأحداث الأمر الذي يشكل عاملا مهما في إطار انتظار تغيير في الموقف إما لجهة تخفيف الإجراءات التي اتخذتها السلطة، والتوجه بإرادة أكبر نحو المصالحة، وإما أن يؤدي ذلك إلى تصعيد موقفها وإجراءاتها، الأمر الذي سيؤدي إلى تعميق الانقسام. بإمكان الفصائل في غزة أن تقول بالفم الملآن أنها تنجح في كسر الحصار بدون أن تدفع أي ثمن سياسي، ولكن سلوك كل الأطراف الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة، هو الكفيل بالحكم على مدى صحة هذا الادعاء، أم انها ستجد نفسها بإرادتها او بغير ذلك تمارس سياسة تسهيل تنفيذ صفقة القرن، إذا استمر الحال الفلسطيني على ما هو عليه، ذلك أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يستعجل التثمير السياسي بما يتوافق مع صفقة القرن وأهدافها.