طلال عوكل يكتب: فوضى الخيارات بين المتناقضات

 

أظهرت الجولة الأخيرة من الاشتباك، الذي وقع بين قوات الاحتلال وسرايا القدس، الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، والتي اندلعت بعد عمليتي اغتيال استهدفتا الشهيد أبو العطا في غزة و أكرم العجوري في دمشق، أظهرت ميلا من قبل حركة حماس نحو افساح المجال أمام إمكانية تطوير وتوسيع التفاهمات التي تتصل بالتهدئة. كان من غير المألوف ألا تنخرط حركة حماس في الاشتباك وهي التي تعلن على الدوام أنها تقف على رأس القوى، التي تدافع عن المواطنين والحقوق في مواجهة أي عدوان إسرائيلي، ولانها في موقع المسؤولية عن القطاع، والذي يحوز على ترسانة قوية من الأسلحة.

في اليوم الأول من العدوان صدرت تصريحات عن مسؤولين إسرائيليين، تحذر حماس من الانخراط في الاشتباك، وبأن الجيش الإسرائيلي سيتجنب قصف مواقع للحركة في حال اختارت البقاء جانبا، الأمر الذي أغضب قيادة الجهاد الإسلامي وسرايا القدس، وجعل أمينها العام زياد النخالة يوجه انتقادات لعلاقة حماس بقطر، حين تحدث عن الأموال القطرية التي تدخل من خلال مطار بن غوريون. قواعد الجهاد الاسلامي أظهرت غضبا واحتجاجا على سلوك حماس، وعلى موافقة قيادة الحركة على وقف إطلاق النار، وعبرت عن ذلك من خلال مسيرات في أكثر من مكان في القطاع، وإطلاق خمسة صواريخ على إسرائيل في اليوم التالي لسريان وقف إطلاق النار.

قبل ذلك كانت حركة حماس قد أعلنت موافقتها على إقامة المستشفى الميداني الأمريكي، على الخط الفاصل شمال قطاع غزة باعتبار ذلك جزءًا من تفاهمات التهدئة، الامر الذي تسبب في خلاف علني بين الفصائل، التي عارض معظمها إقامة ذلك المستشفى الذي تنطوي إقامته على الكثير من الشكوك السياسية والأمنية وحتى الصحية. أعقب ذلك إشارة أخرى لايخطئها مراقب، حين تم بقرار إلغاء مسيرات العودة وكسر الحصار لثلاث مرات متتابعة، بذريعة عدم إعطاء فرصة للاحتلال، الذي لا يتوقف عن التهديد بأن الجيش الإسرائيلي جاهز ومتحفز للقيام بعملية عسكرية واسعة مدمرة ضد القطاع. وفي الأسبوع الرابع بعد التوقف جرى ضبط الحراك الشعبي على الحدود، والتوقف عن كل أشكال النشاطات الخشنة من جانب المشاركين في مسيرات العودة. في الإطار العام كثر حديث نفته حركة حماس، في بيان رسمي عن مفاوضات غير مباشرة من تحت الطاولة حول ملفي الهدنة طويلة الأمد، وملف تبادل الأسرى أضفى عليها قدرا من الجدية تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي اليميني المتطرف نفتالي بينيت، الذي أمر جهات الاختصاص بالبحث في إمكانية إقامة ميناء عائم ومطار في غزة. الزيارات المتزامنة التي قامت بها قيادتا حماس والجهاد الإسلامي مؤخرا بدعوة من القاهرة، استهدفت إعادة ترتيب العلاقات بينهما، لضمان التنسيق والتوافق وضبط الحسابات بين أكبر الحركات العسكرية الفلسطينية في القطاع، بهدف ضمان استقرار أي اتفاق تهدئة يؤدي الى رفع أو تخفيف الحصار عن غزة.

هذا البحث لا يزال ساريا لا تقف في سبيل انجازه سوى جهتين، الأولى السلطة الفلسطينية التي لا تعترض من حيث المبدأ على وضع السلاح جانبا، لكنها ترفض وتقاوم أية اتفاقيات بين أي طرف رسمي خارجي وفصيل فلسطيني بعيدا عن الشرعية. أما الجهات الأخرى فقد تكون من بعض الجماعات التي تلتزم الخط الإيراني، الذي لا تروق له مثل هذه المساومة وهذه التهدئة. عمليا فإن مجريات الأحداث، وما تعرض ويتعرض له سكان قطاع غزة خلال الإثني عشر عاما المنصرمة، جعل الناس عموما أقرب الى قبول مثل هذه المساومة، طالما أن المقاومة لم تحقق إنجازات ملموسة تخفف معاناة الناس، والشعور بأنها تتسبب في الدمار الكبير الذي أصاب البشر والحجر في القطاع. سكان القطاع في حالة حذر شديد بين خيارين متعاكسين وقريبين من التحقق، فإما تهدئة وهدنة، أو عدوان إسرائيلي واسع ومختلف هذه المرة. وبين هذه وتلك تتوزع مشاعر الناس بين أمل في إجراء انتخابات تؤدي الى تغيير واقع الحال وبين الشكوك حول إمكانية إجرائها، أو بأنها في حال جرت ستؤدي الى تعميق حالة الانقسام، وتعميق وإدامة مآسيقطاع  ومعاناة سكان القطاع.