طلال عوكل يكتب: في جدوى التضامن مع فلسطين

148

 

ثمة قيمة كبيرة، للمواقف والبيانات والتصريحات والنشاطات التي جرت على مساحة العالم في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. المناسبة اقرتها الامم المتحدة وليس الفلسطينين، وتزامنها مع قرار التقسيم لعام 1947، الذي يحمل الرقم 181، ينطوي على بعد قانوني وتاريخي لم يدركه سياسيا و عمليا الفلسطينيون. الفلسطينيون توزعت برامجهم ونضالاتهم بين هدفين فاما الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق تقرير المصير وعودة اللاجئين، وأما هي فلسطين التاريخية من البحر الى النهر. نعلم ان الامم المتحدة غير قادرة وفق معادلات القوة التي تتحكم بدورها،  لفرض برنامج الدولة على الاراضي المحتلة عام 1967، وبالطبع هي غير معنية، فضلا عن عدم قدرتها على حتى السماح بالحديث عن الحق التاريخي للفلسطينيون على كامل ارض فلسطين التاريخية وهي لا تتجاوز كونها ساحة للنضال الناعم لحماية الحقوق جزئياً.

هكذا لم يكن لمن يعلم طبيعة الاهداف والمخططات الاسرائيلية الاستراتيجية، ان يتبني برنامج الدولة على الاراضي المحتلة عام 1967، موضوعياً سوى وسيلة لاعادة صياغة الوعي الاممي الجمعي وفقاً لحقائق الصراع. معلوم ان اسرائيل لم تحد عن المخططات الصهيونية الاساسية، التي تتحدث عن اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، وانكار وجود وحق الشعب الفلسطيني على ارضه” ارض بلا شعب لشعب بلا ارض”، وبالتالي كان واضح منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ان اسرائيل ليست في وارد تحقيق سلام يؤدي الى انهاء الصراع من خلال التسليم لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية حتى لو كان يقتصر على ممارسة هذا الحق على 22% من ارض فلسطين التاريخية. على انه رغم هذا الخلل الاساسي، الا ان برنامج منظمة التحرير وخطابها السياسي، ينطوي على اهمية بالغة، بالنظر لقدرته على مخاطبة واعادة صياغة الوعي الجمعي الدولي، ونحو توسيع دائرة التضامن السياسي والعملي مع الفلسطينين، ومراكمة المزيد من قوانين الحماية الدولية عبر مؤسسات الامم المتحدة وخارج ساحتها.

ينتقد البعض التناقض الذي يعتري موقف وانشطة التضامن الدولي وحتى العربي مع القضية الفلسطينية من حيث انه لا يرتقي الى مستوى توفير القوة اللازمة لفرض حقائق في صالح الفلسطينين، وان هذا التضامن لا يتجاوز المواقف التقليدية اللفظية. في الواقع فان هذا التضامن القاصر حتى الآن عن ارغام اسرائيل على الاعتراف بالحقوق التي اقرتها الشرعية الدولية، يشكل مرحلة هامة في سياق الحاجة لاحداث نقلة نوعية في وعي المجتمعات الدولية ازاء حقائق الصراع ومن بينها اظهار وفضح الطبيعة الاستعمارية التوسعية والعنصرية للكيان الذي انشأته قوى الاستعمار الدولي.

جدل عميق وواسع وصاخب جرى بين النخب السياسية الفلسطينية والعربية في زمان سابق حول الاولوية بين العوامل المقررة والعوامل الحاسمة في الصراع، وبين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية اى الخارجية. مع مرور كل هذا الوقت الحافل بالتطورات الدراماتيكية، يظهر مدى اهمية العوامل الخارجية في التأثير على مجريات الصراع ومآلاته، ذلك ان المشروع الصهيوني هو في الاساس مشروع استعماري دولي، مما يؤكد مركزية واهمية النضال الفلسطيني على الساحة الدولية.

ثمة من يستنتج ويردد بأن اسرائيل دولة هشة، على ما تبدو عليه من قوة، وبأنها لن تتمكن من الاستمرار كدولة في حال تخلت عن دعمها الدول الاستعمارية. وهو أمر يبدو على أنه صحيح، ويتجاوز منطق الرغبوية واسقاط الاحلام على الواقع. ان من يتابع الحراكات السياسية على المستوى الدولي ان كان على صعيد المجتمعات والدول او كان على صعيد الامم المتحدة، سيلاحظ ان قضايا الصراع الفلسطيني والعربي الصهيوني قد بدأت تحظى باهتمام متزايد ينعكس بصورة متدرجة وربما بطيئة على اهتمامات الناخب في الدول الديمقراطية، وان الانظمة السياسية لم تعد قادرة على تجاهل اهتمام الناخبين بهذه القضايا.

ربما نسجل هنا ضعف وتشرذم الحراك التضامني بسبب الانقسام الفلسطيني، الذي تنقل مجرياته عمليات وانشطة التضامن الدولي الى عناوين فرعية، كما هو الحال مثلا مع غزة ولكن على من يقلل من اهمية هذا النضال الناعم ان يتتبع نجاحات حركة المقاطعة(B.D.S) التي سيزداد دورها أهمية بسبب تبني اسرائيل رسمياً هوية عنصرية من خلال قانون اساس القومية. وعلينا ان نتذكر بأن العالم تحمل وتواطأ لعقود مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا الى ان سقط ذلك النظام بسبب عزلته الدولية وتخلي الحلفاء عنه. ان اسرائيل برفضها التعامل مع الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية، واندفاعها نحو الصراع المفتوح على كل الحقوق التاريخية، من شأنه ان يدفعها الى هاوية العنصرية والعزلة الدولية.