طلال عوكل يكتب: في حقيقة الخطابات الانتصارية

 

قاتلة وخطيرة بعض الادعاءات التي تصدر عن قيادات وفصائل سياسية فلسطينية خاصة وأنها في مواقع الفعل المؤثر. ثمة تسويق غير مبرر لفكرة أن قطاع غزة، قد تم تحريره وعلى يد المقاومة.

مثل هذا الادعاء الذي يرمي إلى خلق معنويات زائفة، حول القطاع، وحول المقاومة وقدراتها، هو ما سعى الاحتلال من أجل تحقيقه حين قرر شارون، إعادة الانتشار من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات التي كانت موجودة على أرضه. إسرائيل أرادت دائما أن تتخلص من قطاع غزة الصغير، وقليل الموارد، ويتمتع بازدحام سكاني، فضلا عن زيادة نسبة الولادات للعائلة الواحدة. تمنى اسحق رابين أن يبتلع غزة البحر، ومن قبله ومن بعده أرادت إسرائيل أن تلقي بقطاع غزة في حضن مصر، لكنها رفضت من واقع التزامها بالحقوق الفلسطينية، لكنها وجدت من يبتلع الطعم من الفلسطينيين. منذ اللحظة الأولى لإعادة الانتشار الإسرائيلي عام 2005، أعلنت إسرائيل وعملت على التخلي عن مسؤولياتها كدولة احتلال عن القطاع وفي سبتمبر من العام 2007، اتخذت قرارا باعتبار قطاع غزة كيانا معاديا. أرادت إسرائيل التخلص من مليوني فلسطيني في غزة، ضمن حساباتها للميزان الديمغرافي وحتى يبقى لكثير من الوقت الميزان الديمغرافي على أرض فلسطين المحتلة لصالح اليهود. حين يدعي البعض أن قطاع غزة قد تحرر، فإن ذلك يذخر البندقية الإسرائيلية التي تسوق على العالم، أنها في موقع الدفاع عن النفس في مواجهة كيان يقول عن نفسه أنه محرر، ويطلق الصواريخ على الآمنين من المستوطنين. في ضوء ذلك، ارتكبت إسرائيل ثلاث مجازر كبرى، عام 2008، 2012، و2014. وأفلتت من العقاب، ولكنها لم تتجرأ على ارتكاب مجازر مماثلة بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية لأنها تعترف بأنها سلطة احتلال، بالرغم من ادعاءاتها التوراتية والتاريخية فيما يعتبره “يهودا والسامرة”.

ولكن إذا كان قطاع غزة محرر فعليا فلماذا يصرح السياسيون، والسكان بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ عام 2006، وهل أوضاع الناس في القطاع بمنأى عن الدور الإسرائيلي الفاعل في صياغة حياتهم اليومية، ومصيرهم؟ يتجاهل أصحاب هذا الادعاء بأن المقاومة في الضفة خلال مرحلة الانتفاضة الثانية كانت أكثر فاعلية وأقوى تأثيرا على الاحتلال منها في قطاع غزة، فلماذا لم تبادر إسرائيل إلى أن تفعل في الضفة ما فعلته في غزة ونقصد إعادة الانتشار وتفكيك المستوطنات؟

ثمة ادعاء آخر يصدر ليل نهار عن مسؤولين في فصائل مختلفة بل تكاد كل الفصائل تدعي أن الفلسطينيين قادرون، على إفشال صفقة القرن، وبعضهم يدعي أنه تم دفنها تحت التراب. لقد صادرت إسرائيل بدعم كامل من الولايات المتحدة القدس، فيما الأونروا و معها حق العودة، تتعرض لتجفيف مواردها، وتغيير مكانتها القانونية، ومعها إعادة تعريف اللاجئين، والحبل على الجرار، والسؤال هو كيف يمكن إفشال صفقة القرن فيما الفلسطينيون منقسمون على أنفسهم، ويستهلكون جزءا لا بأس به من قوتهم في صراع مرير ومتزايد على ما يقولون جميعا أنها سلطة هشة، وسلطة بلا سلطة؟

لا نقصد المرور على المزيد من الادعاءات فارغة المضمون، التي تبث خطابا لا تقف حدوده عند هدف تعبئة المواطن الفلسطيني، الذي لم يعد يصدق كل هذه الادعاءات وإنما يصل الخطاب إلى مجتمعات ودول عربية وإسلامية وأجنبية، تضع سياساتها ودعمها الفلسطينيين على أساس ما يقررونه لأنفسهم، وما يدعون. لقد الحق خطاب العنجهية والتبجح، بالشعب الفلسطيني وقضيته الكثير من الضرر، بسبب ما كان المرحوم الدكتور حيدر عبدالشافي يحذر منه. كان الدكتور عبدالشافي ينصح كل الوقت بضرورة تقديم المظلومية الفلسطينية على حقيقتها، فالشعب الفلسطيني يتعرض لاحتلال عنصري بشع وهو في موقع الضحية، وليس في موقع الندية، وارتضى بما قررته الشرعية الدولية له من حقوق رغم أنه صاحب الحق على كامل أرض فلسطين التاريخية. المؤسف في الأمر ان هذه الادعاءات الخطيرة وما يشبهها من ادعاءات أخرى، يتم توظيفها في الأساس في الخلاف الداخلي، ولصالح تعميق هوة الانقسام، فالأطراف المتخاصمة تحرص على ان تحقق الانتصارات والإنجازات على بعضها البعض، رغم أنها تغلف ذلك بخطاب متحدي للاحتلال.