طلال عوكل يكتب: لماذا فشل نتنياهو في تشكيل حكومة ؟

لا يحصل في دول كثيرة، لكنه يحصل في إسرائيل، بأن تجري انتخابات مبكرة مرتين خلال ستة أشهر. قد يعتبر البعض ان إعادة تنظيم انتخابات عامة في إسرائيل، بعد فشل الرابح الأكبر في تشكيل حكومة، على أنه مؤشر على سلامة النظام الديمقراطي، لكن الأمر يخرج عن هذا السياق تماما، حين يكون ذلك، جزء من سياسة متعمدة. غريب أن اللوحة الحزبية الإسرائيلية تتسم بالتنوع والتعدد، بينما لا ينجح الليكود والذي حصل على 37 مقعدا هي أكثر من ربع أعضاء الكنيست. افيغدور ليبرمان، الذي حصلت كتلته على خمسة مقاعد فقط، نجح في إسقاط الحكومة السابقة، مما دفع الأوضاع نحو إجراء انتخابات مبكرة، ثم نجح مرة اخرى، في إفشال تشكيل حكومة جديدة مما دفع الأوضاع مرة أخرى نحو إجراء انتخابات في السابع عشر من سبتمبر القادم. ثمة تفسير لذلك، غير مرئي وقد لا يوفق عليه البعض. قد يذهب الامر إلى أن ثمة يد عليا، في الحركة الصهيونية، هي التي تدير السياسة وهي فوق كل الأحزاب والشخصيات. ليبرمان أبن اليمين العلماني المتطرف، الذي لا يختلف في طبيعة تكوينه وسياساته عن حزب الليكود، هو الذي يفشل محاولات نتنياهو تشكيل حكومة يمينية متطرفة، تجمع اليمين الديني والعلماني المتطرف في إسرائيل. وفي إسرائيل معروف تماما ان الحوارات من أجل تشكيل حكومة، أي حكومة ليس مرهون دائما بالتوافق السياسي، إذ تجري عمليات بيع وشراء المواقف، انطلاقا من رؤى مصلحية للأحزاب التي توافق على الانضمام للتحالف. في الظاهر، يبدو ان ليبرمان رفض الدخول في الائتلاف الحكومي بعد الانتخابات الجديدة التي جرت، قد اختلف مع نتنياهو على موضوعين، الأول السياسة المتبعة في التعامل مع حماس وقطاع غزة، والثاني يتعلق بالموقف من قانون تجنيد الحريديم. ولكن ما الذي يجعل ليبرمان يرفض ما كان قد وافق عليه سابقا، وأدى إلى اشتراكه في الائتلاف الحكومي مع الليكود وحلفائه مرتين؟. من المستبعد أن يكون ليبرمان قد غير موقفه المبدئي، الموالي لليكود، بهدف تغيير الخارطة السياسية لمصلحة أطراف أخرى لا ترتدي قميص اليمين المتطرف، وفي الوقت ذاته يدرك بأنه لا يمكن أن يشكل بديلا محتملا عن الليكود، أو رئيسه نتنياهو.

يبدو لي ان المسألة تتعلق، بصفقة القرن، وطريقة التهرب من استحقاقاتها، حتى لا يخسر نتنياهو تحالفه المتين مع الإدارة الأمريكية التي يقودها دونالد ترامب. نتنياهو مرتاح تماما للسياسة الأمريكية التي تصادر حقوق الفلسطينيين، وتجعلهم مجرد سكان يأكلون ويشربون، ويعيشون حياة مرتاحة، لكنه يرفض أن تتضمن تلك الصفقة أي التزامات من قبل إسرائيل، تتعارض مع مخططاتها إزاء الفلسطينيين أرضا وشعبا وحقوقا. صحيح ما صرح به كل من كوشنير وغرينبلات من أن الصفقة تتضمن التزامات مؤلمة بالنسبة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. نتنياهو يقبل كل الألم الذي يعاني منه الفلسطينيون. ولكنه يرفض بدون تصريحات معلنة الألم الذي يمكن ان يعاني منه الإسرائيليون، على الرغم من الخلل الكبير والنوعي بين ما يعانيه الفلسطينيون وما يمكن أن يعانيه الإسرائيليون. الفلسطينيون يرفضون بشكل قاطع الصفقة لأنها تتضمن مصادرة للحقوق الأساسية، وبما يتعارض كليا مع قرارات الأمم المتحدة، ورأي المجتمع الدولي، وقد فشلت كل الضغوط الأمريكية الشديدة على الفلسطينيين حتى يغيروا موقفهم. المشكلة هنا هي أن الإدارة الأمريكية ماضية في فرض صفقة القرن بدون انتظار موافقة الفلسطينيين والإسرائيليين، مما يعني انه قد يأتي وقت قريب حيث يصل الأمر إلى الاستحقاقات المترتبة على إسرائيل. ومعلوم أيضا ان الإدارة الأمريكية كانت تنوي الإعلان عن الصفقة بعد تشكيل نتنياهو حكومته، لذلك كان لابد من تفويت هذا الوقت من قبل إسرائيل.

بعد فشل تشكيل الحكومة الإسرائيلية، والإعلان عن موعد الانتخابات العامة الثانية، أعلنت الإدارة الأمريكية مرة أخرى عن تأجيل الإعلان عن الصفقة. هذا يعني ان إسرائيل ستستنزف هذا العام، بدون اتاحة الوقت لإعلان الصفقة الأمريكية، ذلك أن إجراء الانتخابات، وتشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، قد يحتاج إلى وقت يصل إلى نوفمبر، وعند ذاك فإن الإدارة الأمريكية، ستبدأ بالانشغال في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في العام القادم. لقد برعت إسرائيل في هذه اللعبة، كلما واجهت استحقاقات لا تنسجم مع مصالحها واستراتيجياتها.