طلال عوكل يكتب: مقتل إسرائيل في هويتها العنصرية

 

قاصرة التغطية التي حظيت بها الاحتجاجات العنيفة ، التي وقعت بداية هذا الشهر من قبل الجالية اليهودية ذات الاصول الأثيوبية . بدون أسباب مفهومة أو مبررة ، مرت الأحداث إثر قيام ضابط من الشرطة الاسرائيلية ، بقتل مواطن من الفلاشة ، الذين يقدر عددهم في اسرائيل بنحو مئة و خمس وثلاثين الفا، وكانت تلك الاحداث تستحق اهتماما اعلاميا  واسعا من قبل وسائل الاعلام الفلسطينية .

الشرطة الإسرائيلية بأوامر حكومية عليا ، تصدت للمحتجين الذين أغلقوا مفارق الطرق ، خصوصا في تل أبيب ، مما أدى الى سقوط عشرات الجرحى من الطرفين ، و اعتقال عدد من المحتجين. تنطوي هذه الأحداث على خصوصية تتصل بمفاعيل الهوية العنصرية، التي اختارتها اسرائيل لنفسها من خلال اقرار الكنيست بقانون للقومية . في زمن سابق كانت اسرائيل قد شهدت أحداثا مشابهة ، تم احتواؤها بدون أن تدخل مختبرات التحليل الاجتماعي السياسي ، الذي يمكن ان تحظى به مثل هذه الأحداث اليوم . لفحص مثل هذه الأحداث  القراءة المدققة للتكوينات والأصول الاجتماعية والطبقية  والعرقية للمجتمع الاسرائيلي ، من شأنها أن تبدد هالة القوة الطاغية ، التي تبدو عليها اسرائيل ، خصوصا وأن سؤال العمر الافتراضي للدولة العبرية ما يزال يطرح بين الحين  والآخر ، مع قدر من التشكيك والشك ، من قبل عديد الكتاب والنشطاء الاسرائيليين .يخفي المظهر العام لدولة إسرائيل ، التي تمتلك قدرات عسكرية و نووية ضخمة و تؤهل نفسها لأن تكون شرطي المنطقة بأسرها ، تخفي مجتمعا هشا يضج بالتناقضات التي تتخذ طابعا طبقيا و اثنيا عنصريا ، كما هي هوية الدولة الرسمية . منذ انتقال الفلاشة الى اسرائيل من اثيوبيا عبر السودان ، وهم يعانون من  التمييز والتهميش و الازدراء و الفقر شأنهم في ذلك شأن يهود آخرين جاءوا من قوميات افريقية . لكن هذا التناقض التمييزي ، قد لا يكفي لرسم الصورة الحقيقية للمجتمع الاسرائيلي ، و ربما كانت محدودية اعداد الفلاشة ، تقف وراء السلوك الرسمي المستهتر و العنيف ضدهم ، باعتبارهم لا يملكون وزنا مهما في الانتخابات . في إسرائيل ثمة تناقض بين الشرقيين و الغربيين و آخر بين المتدينين و العلمانيين كانت إحدى تعبيراته رفض افيغدور ليبرمان ، الانضمام لتحالف نتنياهو لتشكيل حكومة بعد الانتخابات السابقة . ليبرمان يرفض اعفاء الحريديم ، أي المتدينين من الخدمة العسكرية وضمنيا هو يرفض أن تظل المدارس الدينية والمتدينين ، عبئا على الدولة و بدون أي دور في عملية الانتاج . وثمة تناقض آخر بين مجتمع المستوطنين في الضفة الغربية ، و المجتمع الذي تديرة الدولة من حيث العبء الأمني والأخلاقي و القانوني والمادي ، الذي تتحمله الدولة بسبب وجود مستوطنات و مستوطنين غير شرعيين حسب القانون الدولي، وسط نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة . و عدا عن التناقض الطبقي بين الأغنياء و الفقراء ثمة تناقض صارخ مع أصحاب الأرض الفلسطينيين ، الذين يشكلون خمس سكان اسرائيل ،  هذا بالإضافة الى التناقض العنصري الذي تتعرض له جاليات يهودية من أصول افريقية . ذات مرة قال يهودي عراقي لصديق فلسطيني ، إن هذه الأرض ستبقى لنا و لكم ، و حين سؤل عمن يقصد بلنا ، قال نحن اليهود الفقراء من أصول عربية و افريقية وآسيوية . معلوم أن حملة الجنسيات الأوروبية و الأمريكية من  اليهود الإسرائيليين لا يزالوا متعلقين بأعمالهم وأموالهم و ممتلكاتهم و الحياة الرغيدة التي عاشوها في تلك الدول، ولذلك فانهم سيغادرون حين يتعرض أمنهم و حياتهم للخطر .صدر عن كتائب القسام لفته ذكية حين أعلنت أن الجندي الاسرائيلي من أصول أثيوبية ، منغستو، لم يكن جزءا من ملف البحث الاسرائيلي في صفقة تبادل الأسرى، الأمر الذي يمكن أن يستثير الجالية الاثيوبية التي تتهم الحكومة أصلا بالتقصير في العمل من أجل إعادة الجندي ، الذي دخل غزة بقدمية . ينطوي هذا التحليل على بعدين، الأول  بأن على بعض الدول العربية أن تتوقف عن المراهنة على إسرائيل بمعالجة التهديدات التي تتعرض لها ،والثاني هو أن القلعة الاسرائيلية ستنهار من داخلها بسبب طبيعتها العنصرية ، التي ستؤدي الى تفكيك المتجمع ، و زجه في صراعات لا يمكن السيطرة عليها .لقد تحمل العالم عنصرية جنوب افريقيا لفترة طويلة قبل أن يتخلى عنها، فكم سيتحمل العنصرية اليهودية؟.. من البديهي ألا يعفي هذا الاستنتاج الفلسطينيين و العرب ، من اعتماد استراتيجيات مختلفة فعالة لتقصير الزمن ، و اختصار الثمن .