طلال عوكل يكتب: من آثام الانقسام

 ضخامة الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون منذ وبسبب الانقسام، الذي وقع قبل أكثر من إثني عشر عاما، إلا أن مخاطره وآثامه لم تتوقف بعد، ولم يتوقف بعد الاستثمار الإسرائيلي البشع فيه. لم يرتدع الفلسطينيون الممسكون بالعصى من طرفيها، حين أعلن شمعون بيرز، بأن الانقسام هو ثالث انجاز تاريخي للحركة الصهيونية، كان الأول قيام دولة إسرائيل عام 1948، وكان الثاني هزيمة حزيران عام 1967.

كان على الفلسطينيين أن يقرؤوا بعمق الأسباب التي دفعت شارون للانسحاب من قطاع غزة، وتدمير تسعة عشر مستوطنة عام 2005، بدلا من التبجح بأن الإسرائيليين فروا من قطاع غزة تحت ضربات المقاومة. كانت المقاومة خلال السنوات الأولى من انتفاضة الأقصى أقوى وأشد تأثيرا وكثافة ضد الاحتلال منها في قطاع غزة، ولو أن الأمر كان يتعلق بالمقاومة والتحرير لكان الأولى بشارون أن يسحب قواته ومستوطناته من الضفة. لا ولن تعترف الفصائل المعنية بمسؤوليتها عن الأوضاع المأساوية، التي تعاني منها القضية والشعب والحركة الوطنية، بسبب الانقسام، وبسبب جسامة الجرم يرمي كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر. في هذه الأيام تعلن إسرائيل عن هدف آخر، فصل آخر من فصول استثمارها للانقسام، حين تعلن نيتها لتقديم تسهيلات لتسريع الهجرة من قطاع غزة، بما في ذلك الاتفاق مع دولة أجنبية أو أكثر لاستقبالهم أو ترتيب أوضاعهم. تسمي ذلك إسرائيل بالهجرة الطوعية، وتقدم نفسها على أنها تقدم خدمة إنسانية لسكان القطاع الذي انقطعت بهم السبل، وتتناسى أنها بحصارها وعدوانها المستمر أرادت ان تجعل من قطاع غزة، مكانا لا يصلح للحياة الآدمية.

قبل أن تعلن إسرائيل عن نواياها الخبيثة، بشأن استبدال حق العودة للفلسطيني إلى أرضه المحتلة، بحق الهجرة كانت المؤشرات العملية تفيد بأن نسبة كبيرة من الشباب خصوصا، والخريجين والمؤهلين منهم، قد أظهروا استعدادا ورغبة في مغادرة القطاع. المؤشرات تقول إن نحو خمسة وثلاثين ألفا قد غادروا إلى بلدان أخرى باحثين عن ملاذ، ومنهم أطباء ومهندسون و كفاءات. كان الفلسطيني مستعدا لأن يدفع آلاف الدولارات من أجل ضمان حق العودة تحت عنوان لم الشمل، وها هم مستعدون لدفع آلاف الدولارات من أجل مغادرة أرض الوطن، ومنهم من ركب ظهر المغامرة فابتلعته البحار.

المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين ليس جديدا، لكن سلطة الاحتلال مارست كل أشكال الضغوط في إطار حملتها لكسر الميزان الديمغرافي خصوصا في القدس. مليارات الدولارات أنفقتها وتنفقها إسرائيل من أجل ارغام الفلسطينيين في القدس على مغادرتها، وتشجيع اليهود على الإقامة فيها، بينما أطنان الورق الذي يصدر عن المؤسسات والدول العربية والإسلامية، لم تسعف الفلسطيني على مقاومة الضغوط الإسرائيلية الشديدة.  الأمر إذا لا يتعلق فقط بقطاع غزة، الذي تحذر الكثير من الأطراف الدولية والإسرائيلية من احتمال انفجاره، وانفجاره لن يكون إلا في اتجاه الاحتلال، ولهذا فإن إسرائيل تعمل دقيقة بدقيقة من أجل تخفيف الكثافة السكانية في القطاع وفتح منافذ للغاضبين بحثا عن مستقبل أفضل ولكنه مجهول. المشكلة تكمن في أن مفاعيل الانقسام لا تزال تشكل سببا رئيسيا لهجرة الشباب، لكن الفصائل تدعي بأنها تعمل وأنها قادرة على إفشال مخططات الاحتلال.

كنا نعلم بأن إغلاق معبر رفح، أو تقنين فتحه من شأنه أن يبطئ حركة الهجرة، بالرغم من الأضرار الجسيمة التي تلحق الناس بسبب القيود على الحركة، لكن فتح المعبر على مدار الساعة سيؤدي إلى تسريع وتكثيف حركة الهجرة. لا تزال الفصائل تكابر وبدون أن تتقدم بخطوة عملية واحدة نحو مقاومة هذا النزيف، وإفشال هذا المخطط الإسرائيلي، ذلك أن الحل معلوم لكل الأزمات التي يعاني منها الناس، وهو المصالحة واستعادة الوحدة، وفتح بوابات الأمل أمام الشباب في وطن يحتاجهم ويحتاجونه.