طلال عوكل يكتب: من يسمع صراخ القدس؟

 

تستبق اسرائيل جولة مستشار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، و صهره جاريد كوشنير، بحدث يرقى الى مستوى جريمة حرب بحق عشرات الشقق السكنية في واد حمص بالقدس. هدم كامل و تشريد السكان بحجة التهديد الامني، الذي تشكله تلك المساكن. لم تعد اسرائيل بحاجة لان تتعب نفسها في البحث عن ذرائع لهدم بيوت الفلسطينيين في القدس، فجيوب رئيس حكومتها مليئة بالذرائع. و سواء توفرت الذرائع ام لا فإن الولايات المتحدة ستعتبر ما تقوم به اسرائيل من تطهير عرقي خصوصا في القدس، إنما يشكل حقا لها طالما ان الامر يتعلق بعاصمتها الابدية كما اعترفت بها الادارة الامريكية. في الواقع فإن اسرائيل منذ اتخذت الكنسيت عام 1980 قرارها باعتبار القدس عاصمة لها، و هي تنفذ مخططاتها لتهويد المدينة و الضغط بوسائل و اشكال مختلفة لإفراغها من اهلها الفلسطينيين، و طمس معالمها التاريخية و الاثرية و الدينية التي تتحدث باللغة العربي. المسجد الاقصى بعد الحرم الابراهيمي يتعرض لخطر الانهيار بسبب الحفريات التي تجري تحته بحثا عن هيكل مزعوم، اكد اكثر من مؤرخ يهودي انه غير موجود، و فوق الارض يتعرض لهجمات و اقتحامات يومية لا تتوقف. كانت الاقتحامات في البداية تتم من خلال جماعات يهودية متطرفة، لكنها اليوم تتم بمشاركة و مباركة و غطاء رسمي و بحراسة الشرطة و اجهزة الامن الاسرائيلية. تصدى الفلسطينيون اهل القدس و الاراضي المحتلة عام 1948 و الضفة الغربية لكل تلك المخططات فكانت هبة النفق و انتفاضة الاقصى عام 2000 و هبة البوابات الالكترونية و لكن منسوب الحراك الفلسطيني الشعبي و الرسمي بما هو عليه، لك يعد كافيا لحماية الوجود و الحقوق و المقدسات المقدسية. احداث القدس دخلت مرحلة الامور الروتينية، اذ لم تعد تحرك لا المجتمع العربي و لا الاسلامي و لا الدولي. الكل يكتفي بركوب ظهر البلاغة الكلامية، عبر التصريحات و البيانات و التهديدات فارغة المضمون. الفلسطينيون يصرخون كل الوقت بالشكوى و التهديد و الوعيد و يتحدثون عن جرائم حرب و جرائم عنصرية و تطهير عرقي، و اخرى بحق القانون الدولي و القانون الدولي الانساني، لكنهم لم ينتقلوا خطوة واحدة باتجاه تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية. لم تعد تنفع قرارات مجلس الامن و الجمعية العامة ولا قرارات مجلس حقوق الانسان ولا تصريحات الامين العام للأمم المتحدة او قرارات اليونسكو، فكلها قرارات لصالح القدس و الفلسطينيين لكنها على ورق. منظمة التعاون الاسلامي، التي عقدت مؤخرا اجتمعا على مستوى وزراء الخارجية انتهى فعلها الى بيان لا اكثر. فب طريقة تعامل اسرائيل مع الفلسطينيين و العرب، و كل من يعارضها لا تبدي اي اهتمام للكلام مهما كان غليظا، لكنها تقتل طفلا او امرأة او شيخا اذا تحرك و بيده سكين او آلة حادة. بالتأكيد لا يعني ذلك ولا هو وارد اصلا التفكير بأن يستخدم اي طرف القوة العسكرية لردع السلوك الاسرائيلي، و لكن القدرة على الردع لا تتوقف على استخدام السلاح فقط فلدى العرب و المسلمون من الامكانيات ما يؤهلهم لممارسة ضغط فعال على الولايات المتحدة و اسرائيل. اذ ذاك و في غياب تحرك عربي او اسلامي لحماية القدس يتركز العبء على الفلسطينيين، و لكن هؤلاء ايضا يعانون من الضعف و الانقسام و التشرذم، الذي يوفر للعرب و المسلمين الذريعة للتهرب من مسؤولياتهم. تدمير مساكن واد حمص في القدس يشكل استقبالا رائعا لكوشنير، الذي يعود الى المنطقة في جولة واسعة لوضع اللمسات الاخيرة على مخطط الازدهار الاقتصادي، الذي طرح معالمه في مؤتمر البحرين. ينتظر كوشنير موافقة فلسطينية ربما تستوجب طرح بعض الملامح السياسية التي تنطوي عليها صفقة القرن، فان لم يقبل الفلسطينيون فان ذلك قد يشكل سببا لرفع وتيرة الضغط بما في ذلك العربي على منظمة التحرير و السلطة الفلسطينية. ثمة جرزة يحضرها كوشنير سيلقيها امام العرب و من خلالهم امام الفلسطينيين، الامر الذي جعل نتنياهو قبل ايام يعبر عن رفضه لأية جزرة تتضمنها الصفقة الامريكية. بالتأكيد نتنياهو مطلع على تفاصيل الصفقة حتى لو لم يتم الاعلان عنها و لذلك فانه يرفض مسبقا ما يتعارض مع مخططاته، التي لا تبقي للفلسطينيين شيئا من الحقوق السياسية، و لا تمنع اسرائيل من استكمال مخططاتها التوسعية. اذا كان الساكت عن الحق شيطان اخرس، فإن الاكتفاء بإصدار البيانات و التصريحات لا تشكل خروجا من دائرة الصمت، ذلك ان المساس بالحقوق الاساسية يستدعي فعلا و مبادرات عملية و تضحيات، و في الاساس احداث تغيير شامل في طبيعة اشكال المواجهة، التي يتقدمها من حيث الاهمية و الفاعلية انهاء الانقسام و استعادة الوحدة الوطنية.