طلال عوكل يكتب: نهاية مرحلة البحث عن السلام

ربما كان التوقيت والهدف الفرعي، هو الأهم في الإعلانات المكثفة التي تصدر عن الإدارة الأمريكية، وتتحدث عن نية الرئيس دونالد ترامب، للإعلان عما يسمى صفقة القرن، قبل الانتخابات الإسرائيلية الثالثة المقررة في أوائل آذار القادم.

الإعلانات الأمريكية تتزامن مع انعقاد المنتدى الدولي للهولوكوست، الذي دعت إسرائيل لانعقاده في القدس، وحضره عشرات الرؤساء والمسؤولين، كان من أبرزهم الرئيسان الروسي بوتن والفرنسي ماكرون، بالإضافة الى بينيس نائب الرئيس الأمريكي. حضور المنتدى من قبل هذا العدد الكبير من زعماء العالم في القدس لا يعني موافقتهم على القرار الأمريكي الإسرائيلي باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، لكنه يؤشر الى المكانة والدور المتعاظم لإسرائيل في المنطقة التي تشهد صراعا محموما على المصالح والأدوار. من الواضح أن بنيامين نتنياهو، الذي يقاتل بكل شراسة لتجنب إقصائه من الحياة السياسية، بسبب الملاحقات القضائية وأيضا بسبب إمكانية فشله مرة أخرى في تشكيل حكومة بعد الانتخابات التي ستجري للمرة الثالثة. يحاول نتنياهو أن يقنع الإسرائيليين بأنه الأفضل، الذي حقق ويحقق لدولة الاحتلال المزيد من الإنجازات الكبرى والتاريخية، وبأنه يحظى بعلاقات دولية واسعة. استطلاعات الرأي الأخيرة التي جرت في إسرائيل تعطي فارقا مهما لصالح منافسي الليكود في تكتل أزرق أبيض برئاسة بيني جانتس، إذ تعطي الليكود 32 مقعدا، و35 لأزرق أبيض. اللافت أن ترامب وإدارته لا يوفروا فرصة لإظهار دعمه القوي لنتنياهو واستعداده للتدخل المباشر لصالح إعادة انتخابه. الإعلان عن الصفقة قبل الانتخابات واستدعاء كل من نتنياهو وغريمه جانتس الى واشنطن، بحجة إطلاعهم على الشق السياسي للصفقة، ليس سوى محاولة لتحقيق تسوية وصلح بين الرجلين، بما يؤهل نتنياهو الذي يحظى برضا وإعجاب ودعم الإدارة الأمريكية، إذ ليس هناك ما يستحق إقناع الإسرائيليين بقبوله من صفقة القرن، التي تطلق يد إسرائيل لمصادرة كل الحقوق الفلسطينية. الصحافة الإسرائيلية نشرت أهم ما ينتظر أن تتضمنه الصفقة في بعدها السياسي، مما يعني أن إسرائيل على دراية بفحواها، وما تتضمنه لا يبقي للفلسطينيين شيئا من حقوقهم. ما تتضمنه الصفقة التي تراهن الولايات المتحدة على قبول الفلسطينيين بها، لا تعد الفلسطينيين بجديد يحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة الوطنية ومن الحقوق. من الجانب الفلسطيني لا شيء مفاجئ، فلقد ظهرت معالم تلك الصفقة منذ أن أعلن ترامب قراره باعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وما تلى ذلك من مواقف وقرارات تتصل بملف الأونروا وحق اللاجئين بالعودة، بالإضافة الى قطع كل أنواع المساعدات للسلطة والمجتمع، وتصريحات وزير الخارجية بومبيو، التي تعطي الشرعية للاستيطان في الضفة الغربية والقدس.

وفق المعطيات العملية، كان الفلسطينيون بمختلف أطيافهم السياسية والاجتماعية، قد رفضوا منذ زمن الشق الاقتصادي من الصفقة، كذلك البعد السياسي، ولذلك فإنهم لا ينتظرون من الأمريكان جديدا إن أعلنوا أو امتنعوا عن الإعلان عن صفقتهم، التي تدخل في سياق تصفية القضية الفلسطينية. الإعلان عن الصفقة لا يحقق سوى طرح وإعلان الرؤية والسياسة الأمريكية على نحو رسمي وواضح إزاء الصراع والحقوق، بما يؤدي إلى إقفال بوابات المراهنة نهائيا على أن يكون ثمة دور فعال ومقبول للولايات المتحدة، التي تعبر عن انحيازها الكامل والوقح للسياسة والمخططات التوسعية الإسرائيلية، ولا تترك للفلسطينيين سوى أن يخضعوا ويقبلوا باعتبارهم مجرد مقيمين على أرضهم، مع صيغ كيانية لا تتجاوز الحكم الذاتي المحدود والمسيطر عليه إسرائيليا. إذاك فإن خيارات السلام باتت مقفلة أام الفلسطينيين، الذين لا يستطيعون المراهنة على دور فاعل للمجتمع الدولي، الذي يبدي عجزًا واضحًا إزاء إمكانية التدخل وتعديل المسيرة التي يفرضها الحلف الأمريكي الإسرائيلي، فضلا عن أن ذلك يشكل إعلانا صريحا عن نهاية مرحلة أوسلو، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها الصراع المفتوح. يبقى السؤال الأهم هو: كيف سيواجه الفلسطينيون هذا المتغير الجذري الخطير، خاصة في ضوء استمرار الانقسام، الذي لا يجد حلا لإنهائه حتى الآن، وتغيب المؤشرات الواقعية عن إمكانية التوصل إلى مصالحة فلسطينية خلال المرحلة المنظورة القادمة.