«طوفان قرطاج».. كيف خدع «إخوان تونس» يوسف الشاهد؟

لأول مرة في تاريخ تونس.. 97 مترشحا في السباق المحموم نحو قصر قرطاج الرئاسي، بينما تم رفض أكثر من 66 طلب ترشح للانتخابات الرئاسية من قبل هيئة الانتخابات، وفق تصريح عضو الهيئة، أنيس الجربوعي.

وأوضح الجربوعي، أن المترشحين للانتخابات الرئاسية الذين تم رفض ملفاتهم يمكنهم الالتجاء إلى القضاء بشقيه الابتدائي والاستئنافي، للطعن في قرار الهيئة على أن يتم الإعلان النهائي عن أسماء المترشحين يوم 31 أعسطس/ آب الجاري، لتنطلق بعد ذلك الحملة الانتخابية يوم 2 سبتمبر/ أيلول 2019.

طوفان.. قرطاج

طوفان الترشح نحو قصر قرطاج، يعد ظاهرة تونسية غير مسبوقة، والقائمة يصعب حصرها، ومن أبرز المترشحين رئيس الحكومة يوسف الشاهد (43 عاما)، الذي سيخوض غمار الانتخابات المبكرة المقررة إجراؤها في 15 سبتمبر/ أيلول المقبل عن حزب «تحيا تونس».

والشخصية البارزة الثانية في السباق إلى قصر قرطاج الرئاسي، وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي (69 عاما)، ويخوض الانتخابات كشخصية سياسية مستقلة، رغم أنه يحظى بدعم عدد من الشخصيات السياسية والأحزاب الليبرالية وبينها على سبيل المثال حزب «نداء تونس»،  وحزب «آفاق تونس».

والمرشح الثالث في قائمة أبرز المرشحين، داخل دائرة المنافسة الساخنة، هو مرشح حركة النهضة الإسلامية «إخوان تونس»، عبد الفتاح مورو، نائب رئيس الحركة (71 عاما)، وهو محام يشغل حاليا منصب رئيس البرلمان بالنيابة.

والمرشح الرابع البارز، رئيس الحكومة التونسية الأسبق، حمادي الجبالي،  وهو ذو توجه إخواني وكان عضوا بارزا في حركة النهضة الإسلامية قبل استقالته لأسباب شخصية.

ومن بين الأسماء: الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي (74عاما) الذي حكم البلاد منذ 2011 وحتى 2014، والمرشح عن حزبه «المؤتمر من أجل الجمهورية»، ومحسن مرزوق الأمين العام لحركة مشروع تونس والمستشار السابق لرئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ومؤسس تيار المحبة محمد الهاشمي الحامدي المثير للجدل.

وللمرأة أيضا نصيب، وتضم قائمة المترشحين:  رئيسة الحزب الدستوري الحر المحامية عبير موسي، ودكتورة ليلى الهمامي أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن، ووزيرة السياحة، مرشحة عن حزب الأمل.

ورغم مركزية منصب رئيس الجمهورية في المعادلة الوطنية في تونس، إلا أن طبيعة النظام السياسي في صيغته الدستورية الحالية يعطي صلاحيات أكبر لرئيس الحكومة على حساب رئيس الدولة.

 كيف خدع «إخوان تونس» يوسف الشاهد ؟

وتشير الدوائر السياسية في تونس إلى أن حركة النهضة بإعلانها ترشيح نائب رئيسها، عبد الفتاح مورو، أسدلت الستار على ماراثون النقاشات واللقاءات والصفقات والمزادات التي فتحتها قيادة النهضة مع أكثر من سياسي ومع أكثر من مرشح محتمل وأكثر من طامح لـ«التزوّد» بدعمها لحسم أمره والتقدم إلى الانتخابات الرئاسية، وخاصة مع رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، ولذلك أصبح السؤال المحوري والمركزي: هل خدعت النهضة رئيس الحكومة يوسف الشاهد؟ وهل استغلت تحالفها معه حتى الأمتار الأخيرة لتخرج ورقة ترشحها لنائب رئيس الحركة، عبد الفتاح مورو، بعد أن جعلت «الشاهد» يتوغّل بعيدا عن حزبه الأصلي حزب نداء تونس ويمضي في تأسيس حزب جديد «تحيا تونس» ليخوض به الانتخابات التشريعية والرئاسية. وهو ما مكّنها من فرصة إرباك وإضعاف الحزبين النداء وتحيا تونس اللذين ستواجههما في الرئاسية والتشريعية واللذين يمثلان تقريبا نفس اللون السياسي المتمركز في الوسطية والحداثة، بما يمكنها من فرصة تشتيت أصوات هذا الطيف الانتخابي الوسطي الذي أخرجها من الحكم في انتخابات 2014، وهو ما يمكنها من دعم حظوظ مرشحيها في الفوز، سواء في الرئاسية أو في التشريعية؟

تحالف الضرورة

بدأت العلاقة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وقيادات حركة النهضة، فيما يعرف في تونس بـ«تحالف الضرورة»، رغم الفارق والتباين في الرؤى والتوجهات الفكرية والأيديولدية، ولكنها فقط المصالح المتبادلة للطرفين، خاصة وأن حركة «إخوان تونس» وجدت في تحالف الضرورة مع «يوسف الشاهد» فرصة متاحة لمزيد إضعاف الحزب المنافس والشريك معها في الحكم «نداء تونس»، بعد أن دفعت في اتجاه إقصاء الروافد اليسارية والنقابية من صلبه، وانحازت إلى جانب يوسف الشاهد في مواجهة تحركات ابن الرئيس الرحل السبسي وأمين عام حزب نداء تونس، حافظ قايد السبسي،  من أجل إسقاط رئيس الحكومة فانحازت النهضة إلى جانب ما أسمته الاستقرار الحكومي ليس لسواد عيون «الشاهد»، ولا حرصا على مصلحة وطنية، وإنما من باب الدفع نحو إرباك  حزب نداء تونس،وخروج القياديين والمناضلين من صلبه، عند هذه النقطة رمت النهضة حبل النجاة باتجاه يوسف الشاهد الذي وجد في الحركة ذلك الجدار الذي يستند إليه ليتخلص نهائيا من ضغط الرئيس الباجي قايد السبسي، وليسجل كذلك نقاطا حاسمة في معركته التي خرج بها إلى العلن وقتها مع نجل الرئيس السيد حافظ قايد السبسي.

وبالمحصلة التقى الطرفان في ما يمكن أن نسميه «تحالف الضرورة» رغم تناقض القواعد الفكرية والسياسية، ورغم انتماء النهضة إلى تيار الإسلام السياسي وانتماء السيد يوسف الشاهد إلى التيار الوسطي الحداثي، بحسب تعبير المحلل السياسي التونسي ،عبد الحميد الرياحي.

خديعة إخوانية

ويضيف الرياحي:  قد تتحجّج حركة النهضة بأنها حزب سياسي وأن ديدن الأحزاب السياسية هو الطموح إلى الحكم وإعداد العدة لذلك، وهو كلام منطقي ومعقول ومقبول لو أنه قيل قبل ذلك وليس قبيل أيام معدودة من الاستحقاق الانتخابي، لأن الإمعان في إخفاء الأوراق وفي التلويح بالجزر لابتزاز الحليف ومن ورائه طبقة سياسية برمتها، يصبح ضربا من ضروب الانتهازية السياسية، ويجعل هذه الانعطافة النهضوية في المنعرج الأخير نحو عصفور من داخلها نوعا من «الخديعة» لرئيس الحكومة، ونوعا من «الخيانة» لشريك أعطاها الكثير على مدى سنوات رئاسته للحكومة، واستفادت من قربها منه لتنعم بالكثير من الغنائم ولتتموقع في كل مفاصل الدولة والإدارة، وهذا الموقف قد يكون له ثمن سياسي باهظ، قد تدفعه الحركة إن هي أخفقت في تصعيد ـ عصفورها ـ إلى قصر قرطاج بما سوف يرتدّ على حظوظ مرشحيها في التشريعية.

لماذا لم يستقل رئيس الحكومة بعد ترشحه للرئاسة؟

وأثير جدل واسع حول استقالة رئيس الحكومة من عدمه بعد ترشحه لرئاسة الجمهورية، خبراء القانون الدستوري في تونس يؤكدون أن القانون والدستور يمنحان رئيس الحكومة حرية الترشح للرئاسة دون تقديم استقالته، ولا يوجد عذر أو مسبب قانوني للاستقالة.

بينما يقول رئيس حزب «مشروع تونس»، محسن مرزوق، إنه من الأفضل على رئيس الحكومة يوسف الشاهد أن يترشح للرئاسية وهو ليس في منصب رئاسة الحكومة، لأن الترشح خارج السلطة أفضل له، دون الوقوع في مأزق التأويل والانطباعات حول استغلال موارد الدولة في السياسة والحملة الانتخابية.

ويؤكد أستاذ القانون، رابح الخرايفي، أنه لا يوجد مانع دستوري أو تشريعي يحول دون مباشرة رئيس الحكومة لمهامه ويقدم ترشحه لرئاسة الجمهورية.

وأضاف رابح الخرايفي، إن الأصوات المنادية بضرورة استقالة الشاهد، تستند فقط الى سوابق وممارسة سياسية عرفها التاريخ السياسي لتونس، وهذا لا يجب أن يكون أقوى من النص الدستوري.

ويقول أستاذ القانون الدستوري في تونس، أمين محفوظ، إن وضعية رئيس الحكومة معقدة قانونيا وإجرائيا حيث في حال اعلانه الاستقالة بسبب ترشّحه فإن الحكومة تعتبر بدورها مستقيلة بالكامل وهو قرار يترتّب عنه إجراءات أخرى لضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها، والحل الطبيعي هو المحافظة على المنصب والاستمرار فيه مع إمكانية المشاركة في الانتخابات والجمع بين الحالتين وهو أمر معمول به في دول أخرى على غرار فرنسا.

قانون الانتخابات لا يفرض الاستقالة على «الشاهد»

وبحسب قانون الانتخابات في تونس، فإنّ رئيس الحكومة غير مُجبر على الاستقالة إذا ترشح للانتخابات التشريعية أو الرئاسية، غير أن مراقبين وسياسيين طالبوا بضرورة استقالة الشاهد من منصبه درءًا للشبهات بشأن استثمار المنصب لخدمة حملته الانتخابية..ولا يجب إغفال أن حزب يوسف الشاهد «تحيا تونس» الذي تأسس في بداية السنة، تشكل من حول رئيس الحكومة وأصبح يملك ثاني كتلة في البرلمان بعد حزب النهضة الإسلامي.. بينما تراجعت شعبية الشاهد (43 عاما) في الأشهر الأخيرة بسبب صراعات أجنحة وصعوبات واجهت حكومته في حل مشكلتي البطالة والتضخم.