عائلة لاما.. من المجد السينمائي إلى النهاية التراجيدية

رياض أبو عواد يكتب عن قصة أخوين فلسطينيين تركا أثرا في تاريخ السينما المصرية

عـُرض خلال فعاليات أسبوع السينما الفلسطينية في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، فيلم “الأخوان لاما” لرائد دزدا، بتنظيم من السفارة الفلسطينية بالقاهرة بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية.

ويعيد المخرج والمؤلف دزدار قراءته لمسار الأخوان لاما إلى الشاشة ليصور التاريخ ويبرز الحقيقة من خلال التوثيق لحياة الأخوين  إبراهيم (1904 – 1953) وبدر (1907 -1947) لاما اللذان كانا أول من صور وعرض فيلما روائيا صامتا على الصعيد العربي والمصري، وهو فيلم “قبلة في الصحراء” بعد إنشائهما أول شركة للإنتاج السينمائي باسم “كوندور فيلم”.

ومن خلال التوثيق يتبين أن الفيلم المصري، الذي يعتبره المؤرخون المصريون هو أول فيلم عربي صامت “ليلى” للمنتجة والمخرجة عزيزة أمير، أن فيلم الأخوين لاما عرض في السينما قبل عرض الفيلم المصري ببضعة أشهر، كما يقول المؤرخ المصري مكرم سلامة، وهذا لا يعني أن الفيلم ليس مصريا، فتجربة الأخوان لاما السينمائية مصرية من ألفها إلى يائها على خلفية وجود انتماء فلسطيني وثقافة لاتينية.

وأهمية الفيلم تكمن بالنسبة لي بأن الأخوين إبراهيم وبدر لاما انتشرت شائعة بأنهما من أصل يهودي، وهذه أيضا كانت معلومة لدي ولم أكن أعرف من هما وأول مرة عرفت أنهما من أصل فلسطيني قبل ربع قرن من خلال ندوة كان يتحدث فيها الناقد المصري الراحل سمير فريد.

وزاد عملية التعرف عليهما من خلال كتابات الناقد والمؤرخ الفلسطيني الراحل بشار إبراهيم، وأول مرة أشاهد عملا توثقيا يؤكد معلومات، ويضيف أيضا معلومات حية عن الأخوان لاما، ويعيدهما إلى  أصلهما الفلسطيني وإلى مدينتهما بيت لحم وانتمائهما لعائلة الأعمى.

هاجر والدهما نهاية القرن التاسع عشر إلى تشيلي، حيث تزوج هناك فلسطينية مهاجرة من نفس المدينة، وأنجب منها ثلاثة أبناء بينهم إبراهيم وبدر.

وحرف اسم العائلة بسبب ثقل لفظ حرف العين في اللغات الأجنيبة إلى لاما، ونشرت أخبار وبعض الكتاب أن أصلهما يهودي، بما يخالف الحقيقة، واعتبروا أن اسم إبراهيم هو إبراهام لاماس بما يجافي الحقيقة حتى أن موسوعة ويكبيديا تضع هذه المتناقضات كمعلومات دون أن تلغي من معلوماته الاسم اليهودي المنسوب لإبراهيم لاما.

ويتضمن الفيلم تصويرا ورحلة طويلة في البحث عن عائلة الأعمى في بيت لحم، حيث تم تصوير الكثير من اللقاءات مع أبناء عمومتهما وذكرياتهم المشتركة عندما كان يذهب الأخوان لاما إلى مدينتهم، خصوصا في عام 1936 التي شهدت فيها فلسطين أطول عصيان مدني في التاريخ إلى جانب انطلاقة ثورة مسلحة لمحاربة الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني، حيث قاما بتصوير فيلم “الهارب” والذي شارك في التمثيل في أحداث أبناء عمومتهم.

يتابع الفيلم تاريخ نشأة علم البصريات وإعادة اسم الكاميرا إلى أساسها العربي ودور ابن الهيثم في علم المصريات، وما تبعه من الفنان الإيطالي لينواردو دفينشي وصولا للأخوة لوميير وإطلاقهما السينما وصناعة الكاميرات بصورها المتحركة ووصولها إلى تشيلي التي كانت بداية معرفة الأخوين إبراهيم وبدر بها وإصابتهما الصورة بهوسها فانطلقا نحو المجد ليؤسسا أول شركة إنتاج سينمائي في الإسكندرية إثر فشل محاولتهما بالوصول إلى فلسطين بقرار من الاحتلال البريطاني في الإسكندرية عام 1927.

في حين لعب الشقيق الأصغر بدر دور فتى الشاشة في الأفلام التي أنتجها الأخوان قبل وفاة بدر الفجائية، وهو بعمر الأربعين عاما، وكانت هذه الفاجعة الأولى التي تصيب هذه العائلة الرائدة عام 1947.

انطلقت نجوميته مع أول فيلم صامت في السينما العربية في فيلم “قبلة في الصحراء”، وهو صاحب أول قبلة في السينما العربية مع الممثلة بدرية رأفت (جوزفين جورج سركيس) زوجة بدر في الواقع وأم بناته.

وقد قدم أدوار البطولة في أكثر من 20 فيلما من وكلها من إنتاج الشركة، التي أساسها وشقيقه إلى جانب مساهمته مع إبراهيم في الكتابة والإخراج، وهي الشركة التي قدمت للسينما المصرية والعربية ما يقارب من الـ30 فيلما.

وقدم إبراهيم ابنه سمير ليحل مكان عمه بدر في دور الفتى الأول في الأفلام التي ينتجها، والذي لعب بطولة عدة أفلام من إنتاج الشركة.

إلا أن سوء الطالع لاحق العائلة في استكمال رحلة الترجيديا، التي بدأت مع رحيل بدر عندما يحدث ماس كهربائي في الاستوديوهات، التي شيدها الشقيقان لاما لتحرق الأخضر واليابس وليخسروا كل ما حققوه من منجزات إبداعية، التي لم يتبق منها سوى بضعة أفلام أو مكاسب مالية تراكمت في تطوير الاستديوهات.

فتضيق الحال بإبراهيم، وتحاول زوجته أن تتركه فيقوم بقتلها وينتحر واضعا حدا لصعود عائلة إلى قمة المجد في عالم السينما إلى عالم مغرق في تراجيديته، وبعد انتحاره لم ينجح ابنه سمير أن يكون فتى الشاشة، فيهاجر مصر إلى لبنان، حيث تفشل تجربته أيضا فينتقل ليعيش في ألمانيا، ويبدأ في تنظيم رحلات سفاري خطرة في الصحراء حتى انتهت حياته (1929 – 2004) وأعيد جثمانه ليدفن بمقابر العائلة في الإسكندرية.

وأرى أن الفيلم أغفل اللقاء مع بنات بدر، حيث ابتعدت أمهن عن السينما، بعد أن قامت بتمثيل فيلم واحد بعد وفاة زوجها، وبعد وفاة إبراهيم قامت ببيع الاستوديوهات، ولم نعرف عنها أو عن بناتها أي شيء، وكان على المؤلف والمخرج دزدار أن يحاول الوصول إليهن.

هذه هي حياة عائلة سينمائية فلسطينية حققت مجدها وانتهت نهاية كارثية.