د. علاء أبو عامر يكتب: في ذكرى الانطلاقة الـ55 لحركة فتح

خمسة وخمسون عاماً مرت على انطلاقة حركة التحرر الوطني الفلسطينية المعاصرة، يطرح الكثيرون سؤالاً حول ما تحقق بعد هذه السنوات؟.

في الظاهر لا شيء لأن الهدف كان وما زال تحرير الأرض، والتي لم يتحرر منها شيئاً، حتى سنتيمتراً واحداً من الأرض لم يتحرر حتى الآن.. وفي المضمون تحرر الكثير لكنه كله تحرر معنوي، إذ لم يعد الفلسطينيون قطيعاً من اللاجئين بل شعباً حراً يجابه الصهاينة في المحافل الدولية وفي كل مكان يخوض معركة إعلام وقانون وغيرها من الوسائل.

ولكن في المقابل فإن قضية اللاجئين لم تعد مطروحة إلا في الشعارات وفي الصياغات الختامية لبعض المؤتمرات، حلم الدولة على ٢٢٪ من الأرض ما زالت حلماً معلقاً في الهواء ولا يملك الفلسطينيون منها شيئاً على الأرض.

هل وضع الإنسان الفلسطيني أفضل معنوياً؟

بقي الفلسطيني فلسطينياً ولم يذوب في هويات أخرى وبقي رقماً صعباً في دائرة الصراع وأفشل مخطط الأعداء حيث كان جزءاً من الهدف تذويب هويته في الكيانات المجاورة و الأسرلة، ولكنه اليوم أقوى.

ما نشهده هذه الأيام هو أن الفلسطيني أصبح يعلم علم اليقين أنه وحده لذلك يستشعر قوة أكبر في داخله.

معنوياً أصبحنا دولةً معترفاً بها عالمياً، ولدينا سفارات في كل مكان، ولدينا جيش وشرطة، وأجهزة أمنية ومؤسسات، ولكن كل ذلك على أهميته لا يختلف كثيراً عما كان لدى الفلسطيني في الشتات، فكل ذلك كان، بل وأكثر.

إذاً هل يتقدم الفلسطيني أم يتراجع؟

في الظاهر يتقدم وفي الواقع يتراجع.

كان الفلسطينيون في الماضي أقوى بدعم القوى التي وقفت خلفهم ونظرتهم إلى وطنهم إلى فلسطين كانت أوسع أرادوها كاملة، اليوم لا يتعدى حلمهم ٢٢٪ من مساحة وطنهم، وهي ما زالت قابلة للتفاوض والتبادل.

إذا أردنا أن نعلم هل حقق الفلسطينيون أي من الأهداف التي انطلقوا من أجلها قبل ٥٥ عاماً، نقول الهدف كان كبيراً في الانطلاقة واليوم تقزم إلى الربع أو أقل.

باعتقادي الفلسطينيون بحاجة لإعادة تحديد الأهداف، بحاجة إلى تغيير الاستراتيجيات حل الدولتين أصبح من الماضي ويجب العمل على تحقيق حل الدولة الواحدة لأنه هو الحل الوحيد الواقعي والباقي ليس سوى سراب.

ما زالت فتح تعيش على تراث الماضي، أي ما صنعه الجيل الأول المؤسس لكن التمسك بزعماء الماضي والتمسُح بهم، يعني أن زعماء الحاضر لم يملأوا فراغ غيابهم.

عندما تختل القيم الوطنية يُستجلب الماضي حاضراً من فئة مازالت تحتفظ بإرث يحتضر …يشدون أطراف أردية زعماء الأمس شداً لكن يشعرون أنها تفلت من بين أصابعهم.

الأموات لا يصنعون حاضراً، لكنهم أسسوا له، ليس كل ما نراه قد حصل اليوم، بل بدأ في أيام الأبوات التي ترفع صورهم رموزاً، الخلل يكمن في العظم لا في الجلد الظاهر عندما استُبدل التحرير بالدولة.

جمهورية الأبوات احتضرت ولم يبق إلا تأبينها باحتفال رسمي نهائي.

في ذكرى انطلاقة فتح، يتساءل كادر من كوادرها، هل ظل من فتح إلا أولئك الجيل من المناضلين الذين يتناقصون كل يوم بفعل المرض وسنوات العمر؟

لم يبقى من فتح التي انطلقت في الستينات وتطورت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، سوى ذكريات وإرث وحكايات تتناقلها الأجيال الفتحاوية لتجمل بها بعض حسراتها وسهراتها.

يعتقد فريق هام من الفتحاويين أن فتح بحاجة إلى انطلاقة جديدة تأخذ من الماضي المبادئ والقيم الثورية وتأخذ من الحاضر المعطيات السياسية، والظروف المتغيرة بحيث يتم المزج بين ماكان ومعالجة ما هو حاضر الاستعداد لما هو قادم.

احتشاد الجماهير خلف فتح كونها حركة الجماهير ولأنها المنافس الوحيد في وجه الإسلام السياسي الفئوي والعنصري في تعامله مع فئات الشعب، تبقى فتح وطناً في الوطن فكل من ليس منظماً هو فتح، هكذا كانت وما زالت فتح، لذلك أينما تذهب وكيفما كانت ستبقى أم الجماهير.

حشود غزة الفتحاوية دليل على أن غزة لم تغير جلدها، ستبقى راية فلسطين أقوى من كل الرايات الحزبية، سيبقى العلم الفلسطيني ذو الألوان الأربعة هو العلم الوحيد الذي تقف الجماهير أحتراماً له، فهو الجدير فقط بالاحترام أما الباقي فليس إلا رمز لفئة مهماً كبرت أو تضخمت فإن ما يحكمها هو اقترابها من هموم الوطن والشعب أما المغامرات خلف الحدود ومن أجل الإيديولوجيا فهي غير فلسطينية وستبقى منبوذة،

فتح قابلة للتجديد وقابلة للانطلاق بقوة، خلوها من الإيديولوجيا الحزبية سر قوتها، وهذا يعني أن قدرتها على إصلاح ذاتها أمر يسير، في العام الخامس والخمسين فُتح ما زالت كما كانت أم الجماهير، خرجت الناس باحتفالها الخامس والخمسين لا لتخلد زعيماً آنياً بل وتقيم تجربةً بل لتعيد الالتفاف خلف فتح ليس مبايعة على الحاضر بل على الإرث والالتفاف حول الوطنية الفلسطينية، هو تصويت الشارع للخيار الذي تعتبره الجماهير الأكثر صوابية كي يحكمها ويوجهها إلى المستقبل ، غزة بعد تجربة حكم الإسلام السياسي، هاهي تعود وتختار فتح لتمثيلها لا استفتاءً أوسع من هذا الاستفتاء، على قادة فتح التقاط حراك الجماهير وإعادة الاعتبار لجماهير غزة فهي قاعدة فتح الأوسع بين كل الساحات.

مفكر وباحث فلسطيني