علي الصراف يكتب: أحاديث مع الوباء

علي الصراف

(1)

القول إن هناك موجة ثانية للوباء، قد يعني أن هناك موجة ثالثة أيضا. فإن لم تصبك الأولى، أصابتك غيرها، وكأن الأقدار تدور من حولك، كما لو أنها أقدار.

شيء يمكن أن يأتيك في غفلة من كل إجراءات الوقاية. وإذ لا واقي إلا ما وضعه الخالق فيك من دفاعات، فإنك لا تملك إلا الصبر والسلوان على ما قد يأتي.

والحياة هي الآخرين. فإذا بقيت تخشاهم كان ذلك نوعا آخر من الموت. ولك أن تختار، بين الموت على صدر الحياة، وبين العيش على دفاتر أشعار.

(عذرا لنزار، فقد رحل قبل أن يعرف ما نحن فيه الآن).

 

(2)

النجاة ممكنة دائما. ولكنها تتطلب عزيمة. والمقاومة جزء من دوافع الشفاء.

شخصيا لا أخاف من الوباء، قدر ما أخاف من نقص عزيمتي على مقاومته إذا جاء. ولعلي واحد من الناس الذين يقبلون القدر ويستسلمون له، ليأخذ ما يشاء، حين يشاء.

واحسب أن الله قد يُنجيني، لأنه يعرف سلفا كم أني بليد من هذه الناحية.

“على شنو”؟ أقول لنفسي. وما هو الفرق الذي سوف تُحدثه إذا بقيت أو مضيت؟

 

(3)

ما دعوت الله سبحانه، إلا واستجاب. حتى صرت أخجل من دعائي فقصرته على ما يدوم ويبقى. قلت ذلك لزوجتي، فقالت: أطلب مليون دولار نحل بها مشاكلنا.

المسألة، هي أنك تخلق بالمال مشاكل أكبر من تلك التي تحلها به. فلم أدع، لكي لا أجد نفسي مدينا مع ربي، بالنقص والخطيئة وسوء التدبير.

ثم جاء الوباء، وانحل الكثير من المشاكل. حتى البنوك لم تعد تطلب أقساط ديونها.

 

(4)

الوباء وضع مليارات البشر، دفعة واحدة أمام حقيقة، لا تدوم الحياة إلا بتغافلها: الموت.

وهي حقيقة لم تتعلم البشرية، وقد لا تتعلم أبدا، كيف تفهمها.

عندما نعيش لنعيش، فان الموت يبدو وكأنه نهاية لكل شيء. إنه تلك القوة القاهرة التي تبدد كل ما اقتنيته أو حرصت عليه أو رغبت بالحصول عليه.

ولكنه شيء آخر أيضا.

إذا كنت تؤمن باليوم الآخر، فانه واحد من أكبر نِعم الله، بل إنه النعمة الأكبر على الإطلاق.

اسأل نفسك هذا السؤال، وستعرف: كيف يمكن للإنسان أن يبقى – بتكوينه الراهن – ربما مليار سنة أخرى، حتى يحل ذلك اليوم الموعود؟

نحن لا نصل الى التسعين حتى نكون في “أرذل العمر”، فما بالك بذلك الانتظار الطويل؟ أفليس من الخير أن تنتظر وأنت تنام؟

 

(5)

وقفت على محطة قطار، فتجمعت خمس فتيات، كل واحدة من أصل مختلف، ولا تبلغ أعمارهن السادسة عشر، وبعد قُبل وأحضان لم تكترث لأدنى معايير الحيطة من الوباء، خضن في نقاش حميم، وكأنهن يعتزمن حل كل مشكلات العالم.

تأملت فيهن، وقلت في نفسي: الحمد لله. فسألت زوجتي: على ماذا؟

قلت: على أني بلغت عمري هذا. هل تعرفين كم ستواجه هذه الفتيات من مشكلات الحياة وأحزانها ومصاعبها وأوبئتها المقبلة؟ شخصيا لا أريد العودة. طويت ما يكفي من السنوات، حتى انتهيت سعيدا بما جنيت من التجارب. ولولا خطايا تستوجب طلب الغفران، ما كنت لأفعل إلا ما فعلت.

 

(6)

البحث عن دروس من المعضلات والمصائب هو واحد من خير ما يدفع البشرية الى الأمام. فماذا تعملنا من الوباء؟

بعضنا تعلم أن يغسل يديه، سبع مرات في اليوم وإحداهن بالتراب.

ولكني تعلمت أن أغسل يدي أيضا!

ما من وباء وضع البشرية أمام امتحان غسل اليد، كهذا الوباء. ولكن الرمز الإلهي فيه، هو أن تغسل يديك من المظالم والخطايا وضعف النفس أيضا، لا من الفيروس وحده. هذا الأخير كان مجرد مرشد سياحي لما يجب أن تراه. أفهل رأيته؟

 

(7)

كم يريد المرء أن يعيش؟

سؤال يطرحه الوباء. وأقيم في شقة يوجد قبالتها مركز لرعاية المسنين. والإسعاف كانت تأتي لتحمل واحدا بعد الآخر، الى حيث لا يرجع. ربما لتخلي لي مكانا.

قلت: أعيش حتى أستعيد ما دفعته من ضرائب. فلما حسبتها، قلت: أعوذ بالله. فعملت تخفيضات للحكومة، وعدت لأحسبها، فقلت: أعوذ بالله.

ومع عدم رغبتي بمكان في مركز كذاك، ولا بإسعاف كتلك، قلت: دع الحكومة تفوز. “عليه العوض ومنه العوض”.

 

(8)

تعيش. “إي، وبعدين”؟

المحصلة في النهاية هي ذاتها. صفر على شمال الفناء.

نحن نقيم الدنيا ولا نقعدها إذا مسّنا مسّ.

جاء الوباء، ربما ليقول لك، اهدأ. “ما في شي يستاهل”.

 

(9)

تكتشف، عندما ترى التريولونات التي تم انفاقها لإعادة إنعاش الاقتصاد، أنك كنت مخدوعا على الدوام.

أين كانت هذه الأموال من قبل؟

وكيف جاز ألا تظهر لمكافحة الفقر والجوع والحرمان؟

 

(10)

بما أني مولع بأعمال الإصلاح المنزلي، بما فيها أعطال الكهربائيات، فقد كنت آمل أن يُكتب على شاهدتي:

“لقد كان أبا عطوفا، وزوجا مخلصا (مع الثانية)، وصديقا طيبا، وكهربائيا سيئا”.

وعندما جاء الوباء، وجدت نفسي أطلب من أصدقائي أن يكتبوا على شاهدتي:

أنا الذي بـلَّـغَ المعْـنى مقاصدَه – وشاءَ من أمره نأيا لينعزلا

وأسلم الأملَ الخلاّبَ مفازته – فزادَه النأيُ إعياء بما هزلا

بدتْ بخير له الدنيا بما صنعتْ – فقام يخلي لها المرغوب والأملا

حتى أضاء بنور اللهِ خَشْيتَه – وكان أحنى جبينَ الذلِّ إذ وَجِلا

وقال ربِّ رضاكَ الآنَ أسألهُ – فإنَّ مراد العيش بات مبتذلا

قد كان فيها أبا الزهراءِ ثمَّ مضى – فكيف لغيره إبطاءٌ لما عَجِلا

 

مصر

79٬254
اجمالي الحالات
950
الحالات الجديدة
3٬617
اجمالي الوفيات
53
الوفيات الجديدة
4.6%
نسبة الوفيات
22٬753
المتعافون
52٬884
حالات تحت العلاج

الإمارات العربية المتحدة

53٬577
اجمالي الحالات
532
الحالات الجديدة
328
اجمالي الوفيات
1
الوفيات الجديدة
0.6%
نسبة الوفيات
43٬570
المتعافون
9٬679
حالات تحت العلاج

فلسطين

5٬220
اجمالي الحالات
191
الحالات الجديدة
24
اجمالي الوفيات
4
الوفيات الجديدة
0.5%
نسبة الوفيات
525
المتعافون
4٬671
حالات تحت العلاج

العالم

12٬337٬473
اجمالي الحالات
215٬716
الحالات الجديدة
554٬636
اجمالي الوفيات
4٬560
الوفيات الجديدة
4.5%
نسبة الوفيات
6٬929٬179
المتعافون
4٬853٬658
حالات تحت العلاج