علي الصراف يكتب: الشيء الناقص

علي الصراف

 يتوفر زخم دولي ملحوظ لمواجهة خطط إسرائيل لضم أراض جديدة في الضفة الغربية وغور الأردن.. ولكن هل هذا يكفي؟

الولايات المتحدة اشترطت ضمنيا أن تفتح الحكومة الإسرائيلية بابا للتفاوض مع السلطة الفلسطينية من أجل فرض “رؤية ترامب” أو “صفقته”. وتريد من الناحية العملية أن تجعل الضم جزءًا من مشروع أوسع يُملي تلك الرؤية.

ما يهم حكومة نتانياهو هو الضم فحسب. فهذا هو الواقع الذي يتعين أن يتم فرضه، وأن تبدأ المفاوضات، إذا ما حصلت، انطلاقا منه. وما هذا بجديد. فكل سياسات الضم والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية استندت الى هذا الأساس.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ يبدو كبطة عرجاء في مواجهة أزمة وباء كورونا، والذي تشير التقديرات الى أنه قد يخسر انتخابات نوفمبر المقبل، ليس في وضع يسمح له بالوقوف ضد ما تراه الحكومة الإسرائيلية مناسبا لها.

هناك أيضا جهود المحكمة الجنائية الدولية التي من المرجح أن تؤدي الى إدانة الضم، بل واعتباره جريمة من جرائم الحرب. ولكن هذا آخر ما يمكنه أن يرعب إسرائيل، أو يحول دون المضي قدما في مشروعها الجديد.

دولة ظلت خارجة عن القانون، منذ قيامها الى اليوم، لن تلتفت كثيرا الى إدانات محكمة دولية لا تمتلك ما يكفي من الأدوات التنفيذية لجعل قراراتها أمرا ذا قيمة فعلية.

صحيح أن الدول الموقعة على معاهدة تأسيس المحكمة سوف تظل ملزمة بأخذ قراراتها بعين الاعتبار، على الأقل في رفض الإجراء الإسرائيلي الجديد، إلا أن كل أدلة السوابق الأخرى من أعمال الضم، برفقة كل جرائم الحرب والأعمال الصارخة ضد القانون الدولي، لم تكن لتترك إلا أثرا محدودا على إسرائيل.

هناك ما قد يبدو أهم. إذ تجري فرنسا مشاورات مع حلفائها الأوروبيين من أجل اتخاذ موقف يقال إنه “صارم” ردا على الخطوة الإسرائيلية المزمعة. وبمساندة من دول مثل إيرلندا ولوكسمبورغ وبلجيكا، فإن هذا الرد يمكن أن يتضمن عقوبات اقتصادية.

جماعيا، في إطار الاتحاد الأوروبي، لن يمكن تحقيق ذلك، طالما أن هناك دولا سوف تعارض اتخاذ إجراء موحد، مثل هنغاريا وجمهورية التشيك. الأمر يفتح الباب فقط أمام خيارين محدودين: إجراءات تتبناها كل دولة على انفراد، وعرقلة مضادة لكل مشاريع التعاون الاقتصادي بين الاتحاد وإسرائيل.

ما لا يجب أن يغيب عن الأذهان، هنا، أن أي إجراءات عقابية تلحق ضررا فعليا أو كبيرا بإسرائيل لن تمر مرور الكرام، لا على إسرائيل ولا على الولايات المتحدة. هذه الأخيرة يمكنها أن ترد على العقاب ضد إسرائيل بعقاب مضاد مباشر أو غير مباشر. هذا فضلا عن سواه من الضغوط السياسية التي يمكنها في النهاية أن تُفرغ تلك العقوبات من محتواها.

طبعا سوف يبقى هناك الموقف الأخلاقي أو السياسي المعلن. ولكن هات من يشتريه في بورصة فرض الوقائع.

ما قد يحسن الانتباه له أيضا، هو أن اللوبيات الصهيونية التي شحذت سكاكينها حتى أطاحت بفرص حزب العمال في بريطانيا في انتخابات ديسمبر الماضي، وألحقت به هزيمة منكرة، يمكنها أن تفعل الشيء نفسه لحزب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون. ومن ثم لأي حكومة أوروبية أخرى تتبنى سياسات تعتبرها إسرائيل عدائية ضدها.

ماذا يعني كل هذا؟

إنه يعني الشيء نفسه الذي جربناه من قبل: أن ننتهي بموقف أخلاقي فارغ. وسياسات إدانة خجولة، وقرارات لا سبيل لتنفيذها، بينما يبقى الواقع.

هناك شيء واحد ناقص. الفلسطينيون هم وحدهم الذين يعرفونه. وهم وحدهم الذين يقدرون عليه. فإذا ما أخذوا به، انقلبت الطاولة وأمكن للزخم الدولي أن يمتلك فاعلية تنفيذية حقيقية.

السؤال هو: إذا لم يفعلوه اليوم، فمتى يفعلوه؟

ضياع أكثر من ثلث الضفة الغربية، دفعة واحدة، لا يُطلق رصاصة الرحمة على حل الدولتين، ولكنه يفرض إعداما ميدانيا على السلطة الفلسطينية نفسها.

سؤال ممض، سألته حنة آرندت الفيلسوفة الألمانية ذات يوم: عندما كان اليهود يُساقون الى المجزرة، لماذا لم يتمردوا؟ لماذا ذهبوا الى الموت طائعين؟