علي الصراف يكتب: عباس وكورونا وامبراطورية القوة الغاشمة

علي الصراف

قد يؤخذ على الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعض ميل زائد للمسالمة والمصالحة والتأخير، ولكن لا يمكن أن يؤخذ عليه في شجاعته، فعلى رغم ضيق ذات اليد وضعف القوة والنفوذ، إلا إنه كان هو الذي طرد الولايات المتحدة من دورها كوسيط. وتمسك بأنه لم يعد لها مكان في السعي لإحلال السلام في المنطقة، وأنها بانحيازها الأعمى لإسرائيل لم تعد تصلح كمفاوض، وهي إذا كانت قوة غطرسة دولية، فليس على أنفه هو أو أنف شعبه. قال لها “كش ملك”، وأخرجها من رقعة الشطرنج، ليكون الأول في التاريخ المعاصر الذي يقول لقوة عظمى: برة. أنتم لم تعدوا جديرين حتى بمجرد التحدث معكم.
كان يعرف أنه سوف يدفع الثمن باهظا، وان تلك القوة العظمى سوف تزداد غطرسة وانحيازا أعمى الى إسرائيل، إلا أن ذلك هو بالذات ما كان يريده. وقد حصل عليه. فكلما زادت تلك القوة حمقا، كلما كشفت بنفسها كيف أنها باتت أتفه من أن تكون جديرة بالمكانة السابقة التي كانت تحتلها بين القوى العظمى الأخرى.
قطعت الولايات المتحدة المساعدات عن منظمة الأونروا، وأغلقت مكاتب السلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة، وطردت الممثلين الفلسطينيين فيها، ونقلت سفارتها الى القدس، وأصدرت صفقة كانت أسخف من أن تُقنع طفلا فلسطينيا واحدا، وأتاحت لإسرائيل أن تعلن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية، حتى لم يبق لديها من الحمق مزيدا لمستزيد.
العالم كله كان يرى، كيف تحولت هذه القوة العظمى الى مجرد دمية بيد اليمين الصهيوني. وكيف أنها تهزأ بمقررات الشرعية الدولية، بما فيها تلك التي صادقت عليها هي بنفسها، فتحولت من قوة تملك نفوذا الى مثار للسخرية.
بفعلته غير المسبوقة تلك، قاد الرئيس عباس أضعف دولة على وجه الأرض ليجعل من أعظم دولة موضع استهجان واستنكار مشهودين على مرأى العالم اجمع.
ولعل الرئيس عباس كان يأمل أن تزيد الولايات المتحدة من حمقها أكثر وأكثر. إلا إنها وهي تبحث عن رد لكرامتها المجروحة لم تجد سبيلا للمزيد إلا وهي تعرف أنه سيكون فضيحة سياسية وأخلاقية تنتهي بالمزيد من العزلة والاستهجان.
ببساطة، لقد مرغ الرئيس عباس أنف تلك القوة العظمى بالوحل. وكلما نهضت لترد بضربة أقوى، كلما سقطت في مستنقع أوحل من الذي سبقه.
القوى العظمى إنما تسقط بهذه الطريقة دائما. يتمرد عليها أضعف أطرافها فتعجز عن أن تسترد مكانتها. فيبدأ الانهيار ويتداعى البناء الامبراطوري كله.
حتى جاء وباء كورونا ليكمل الصورة. فهذا بلد يعجز عن حماية أبنائه، ويفشل في أن يفعل ما قدرت عليه حكومات أقل قوة وأضعف اقتدارا بكثير. وما كان موضع استهجان وسخرية، في الانحياز الأعمى لإسرائيل، أصبح مثيرا للضحك والأسف على قوة يقف على رأسها رئيس يقترح حقن أوردة المصابين بمواد التنظيف، ويتناول دواء لا علاقة له بالموضوع، مخصص لعلاج الملاريا، معتقدا إنه يصلح كإجراء دفاعي.
لقد كشفت تلك القوة عن هزالها، بهزال رأسها. وهي تندفع الى شن حروب دونكيشوتية ضد الصين من اجل التغطية على الفشل. وبينما تطلق التهديدات بفرض عقوبات، فهي تعرف أنها لا تستطيع المضي بها قدما، لأن العاقبة عليها وعلى الاقتصاد العالمي ستكون وخيمة.
وهذا واحد آخر من أسباب سقوط القوى العظمى. فحالما تجد نفسها عاجزة عن تنفيذ التهديد حتى لتبدو لكل منافسيها الآخرين كنمر من ورق.
ولئن كانت الولايات المتحدة ما تزال تبدو وكأنها القوة الاقتصادية الأعظم، فإنها بعد ثلاثة تريليونات من طباعة الورق، باتت المقامر الوحيد الذي يلعب بأرواق مكشوفة.
بقي شيء واحد يمكن للرئيس عباس أن يفعله لكي يسجل له التاريخ إنه، أكثر من أي بلاء آخر، هو الذي أسقط امبراطورية الوحشية من عليائها.
لا يكفي أن تمزق السلطة الفلسطينية كل اتفاقات الزيف مع الولايات المتحدة وإسرائيل. لا يكفي أيضا أن توقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، ذلك الذي تحول الى قيد من قيود الاستعباد، بل أن يستجمع كل قوى شعبه وراء انتفاضة حرية وتحرير. برنامجها من سطر واحد: هذا عدو غاشم، وعلينا مقارعته بكل الوسائل والسبل المشروعة.
كل معادلات الواقع الراهن وحقائقه تشهد إنها ستكون المعركة الأخيرة. والعالم بعدها لن يعود كما كان.
كل امبراطوريات القوة الغاشمة سقطت على هذا النحو. فلماذا المسالمة حيال من لا يسالمون؟ ولماذا المصالحة؟ ولماذا التأخير؟
لا تصالح.
لن استعيد درويش الذي تعرفه أكثر من أي أحد، ولا القاسم ولا زيّاد. بل رفيق دربهم الأحنّ، أمل دنقل: فلا تصالح.
“لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون: جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون: ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلكْ
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لكْ
فارسًا، وأخًا، وأبًا، ومَلِك!”.
لا تصالح. لم يبق من العمر إلا هذا الشبر الأخير. فلا تصالح. دع الغاشم يسقط بقوته، ليعلو الحق وينتصر الضعيف.