«فلسطين المحتلة».. أكبر سجن على وجه الأرض

قبل أن تدخل دولة الاحتلال مرحلة الشلل السياسي بعد الانتخابات التشريعية للمرة الثانية خلال ستة أشهر.. لا يزال الخلاف قائما بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو،  وتحالف «أبيض وأزرق» بزعامة رئيس الأركان السابق بيني غانتس، حول تشكيل حكومة (وحدة وطنية موسعة)، والخلاف يدور حول أولوية تولي منصب رئيس الحكومة: نتياهو أم غانتس؟ أي خلاف حول  توزيع المناصب وليس حول برنامج يميني شبه متفق عليه تجاه السطو على كامل الجغرافية الفلسطينية لتأكيد ملكية «الدولة اليهودية القومية» للأرض من البحر إلى النهر، وتصفية القضية الفلسطينية.. والهدف معلن ومكشوف، وتناوله بكافة تفاصيله كتاب (أكبر سجن على الأرض) للأكاديمي والباحث السياسي والمؤرخ الإسرائيلي، آلان باييه.

 

(تصفية) وليس (تسوية) القضية الفلسطينية

وبات واضحا أن هناك جهــداً مكثفاً يهدف إلى (تصفية) وليس (تسوية) القضية الفلسطينية، وبعد أن أًصبح قانون (التسويات) الإسرائيلي الذي يشرّع الاستيطان، نافذاً بعد أن أقره الكنيست، لتبدأ حكومة دولة الاحتلال ـ بالتصريحات مرة .. وبخطوات تدريجية مرة أخرى ـ   تطبيق قانون ( التسوية ) الذي يستهدف ضم مساحات من أراضي الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية ، بما فيها الشريط الحدودي على طول وادي الأردن وبعمق 5 كم على الأقل . كما ستضم تجمعات المستوطنات المتداخلة مع الخط الأخضر . فقانون التسويات تسري أحكامه بأثر رجعي . ومهدت إسرائيل لهذه الخطوة بأن قامت قبل سنوات بضم تجمع مستوطنات أرييل الواقعة داخل الخط الأخضر وهي عبارة عن ( مستطيل ) داخل الضفة الغربية يقع بين نابلس وقلقيلية ومتصلة مع أراضي 1948 وأعلنتها بلدية إسرائيلية .. وفي بعض المستوطنات الأخرى ، فتحت إسرائيل فروعاً لجامعات وكليات ومعاهد إسرائيلية، إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل ضمت القدس الشرقية على دفعات منذ عام 1967. وسياسياً ، اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ، ونقلت إليها سفارتهــا مــن تل أبيب . وبلغ عدد المستوطنين اليوم في الضفة الغربية والقدس حوالي 875  الف مستوطن .

 

  • بهذا تكون إسرائيل قد وضعت كامل الضفة الغربية بين يدي كماشة حدودها : مع اسرائيل من الغرب، وبين المستوطنات في وادي الاردن من الشرق.

 

 

ويقول رئيس وزراء الأردن الأسبق، السياسي البارز طاهر المصري:  إذا نظرنا بعمق إلى هذه التطورات المتزامنة ، فإننا نجد أن تتاليها لم يتأتِ من فراغ ولا من قبيل الصدفة، فهذا ما خطط له المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل عام 1897 ، وأصبح هذا المؤتمر هو نقطة الانطلاق لإنشاء ( وطن قومي لليهود ) في فلسطين، ولا يمكننا أن ننظر إلى تطور البرنامج والمشروع الصهيوني في فلسطين من خلال أحداث مبعثرة أو أحداث يومية في معزل عن النظرة والتخطيط والترابط بين عناصر هذا المشروع ، بل يجب أن ننظر إلى كيفية تطور المشروع الصهيوني في فلسطين ، وفي سياقه التاريخي حتى يومنا هذا، وعلينا أن نعرف أن أحد أهم مقاصد وأهداف المشروع الصهيوني أنهم يريدون الأرض بدون السكان، وأرجو أن لا يقول أحد أن الرئيس الأمريكي، «ترامب»، أبقى الباب مفتوحاً على حلول أخرى أو بديله، فحديثه ليس مبطناً، والتداعيات والمعاني المبطنة واضحة تماماً، خاصة عندما أقر بيهودية الدولة، وترك الباب مفتوحاً على مصراعيه للاستيطان، وعملياً وافق على إلغاء حل الدولتين، أما حل الدولة الواحدة ، فشرطه أن تكون الدولة يهودية !!

 

«بيروقراطية الشر» و «الوحشية الممنهجة»

وما حدث وما يجري،  هو ترتيبات الوضع داخل (أكبر سجن على وجه الأرض)، بحسب ما كشف عنه المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي، إيلان بابيه؛، في كتاب يحمل نفس العنوان:    «The Biggest  Prison On Earth : A History OF The Occupied Territories»   و,يطلق  الكتاب « بيروقراطية الشر»، على الوحشية الممنهجة للاحتلال الإسرائيلي: حواجز الجيش على الطرقات، والاعتقالات الجماعية، وتفتيش المنازل، ونقل السكان قسريا، وزرع المستوطنين، والجدار العنصري..و,يستعرض المؤرخ  إيلان بابه، حركة تاريخية بدأت بطرق مختلفة في أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى العام 1948 وهي الآن في طورها الثالث، الذي بدأ سنة 1967 وكشف إيلان بابه «أن الكيان الإسرائيلي خطط منذ وقت مبكر  لتحويل الضفة الغربية إلى أكبر سجن على وجه الأرض وأنشأ المراسيم الخاصة باحتلال الضفة وحكم أكثر من مليون فلسطيني آنذاك في وقت مبكر من العام 1963، أي قبل حرب 1967 التي أدت لاحتلال الضفة بأربع سنوات، وقد تم التخطيط لهذه العملية التي أطلق عليها اسم (الغرانيت) على مدى شهر في الجامعة العبرية، وشارك في المناقشات عدد كبير من مسؤولين عسكريين من الجيش وكذلك مسؤولين وخبراء في القانون، وعناصر من وزارة الداخلية، ومن القسم العربي الذي كان معنيا آنذاك بتطبيق الحكم العسكري على الفلسطينيين في الداخل».

 

ويرتبط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية، بمصادرة الأراضي بشكل مباشر. ففي هذا الإطار، تقع 40% من أراضي الضفة الغربية تحت سيطرة المستوطنات. بالإضافة إلى ذلك، فقد عزل بناء جدار الضم والتوسع 12% من أراضي الضفة الغربية بين الجدار والخط الأخضر. ومن جانب آخر، تم تشييد ما مجمله 200 كم من الشوارع الالتفافية في كامل الضفة الغربية، إلى جانب البنية التحتية لدعم المشروع الاستيطاني. وتمثل هذه المنظومة ما مجمله 2.3% من مساحة الضفة الغربية.. ويرتبط الاستيطان في القدس الشرقية بإخلاء الفلسطينيين من منازلهم وتهجيرهم قسراً، فنقطة الاختلاف بين التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية وسائر الضفة الغربية تتمثل في أن المستوطنات تقع في قلب القدس، في حين تقع على أطراف المدن في سائر الضفة، باستثناء البلدة القديمة في الخليل. وقد بدأ التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية عام 1968، ووصل عدد المستوطنين في القدس إلى  350 ألف مستوطن، في 12 مستوطنة تقع داخل الجدار.. وفيما يخص المياه، لا يتصل أكثر من 70% من التجمعات الفلسطينية المصنفة في المناطق “ج” بشبكة المياه ويقومون بشرائها للإيفاء باحتياجهم. وبالرغم من توصية منظمة الصحة العالمية باستهلاك 100 لتر/فرد يومياً من المياه، إلا أن متوسط الاستهلاك في المناطق “ج” يصل إلى 20 لتر/فرد/يوم، و73 لتر/فرد يومياً في سائر الضفة الغربية، مقارنة بـ369 لتر/فرد يومياً للمستوطنين. فتنتهك منظومة الاستعمار معايير التمتع بحقوق الإنسان في عدد من الجوانب، بما في ذلك الحرمان من الوصول إلى الموارد والخدمات، والحق في الأمن الشخصي، وسلامة الجسد، والعمل، والتعليم، والصحة.

 

«سجن عملاق، أُنشيء للحفاظ على الاحتلال

وعبر 12 فصلا يقدم المؤلف إيلان بابي -في كتابه  «أكبر سجن على الأرض.. تاريخ الأرض المحتلة»- تفاصيلَ تحول فلسطين إلى «سجن عملاق، أُنشيء ليس بغرض الحفاظ على الاحتلال، بل استجابة عملية للمتطلبات الأيديولوجية الصهيونية. والحاجة إلى السيطرة على أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وخلق مبدأ الأغلبية اليهودية. وهذه المتطلبات هي التي أدت إلى التطهير العرقي لفلسطين عام  1948 وشنت حرب 5 يونيو/حزيران 1967 استمراراً للتطهير العرقي وابتلاع فلسطين كاملة».. ويروي إيلان في الفصل الثاني، كيف أنه بعد ثلاثة أيام من القتال في حرب حزيران / يونيو 1967، أحكمت إسرائيل سيطرتها على فلسطين التاريخية، ووضعت في قبضتها مليون فلسطيني بالضفة الغربية، وحوالي نصف مليون في قطاع غزة، وثم كان قرار ترك آلية السيطرة على حياة الناس في الضفة والقطاع إلى الجيش، وتحويلهم إلى حالة عديمي الجنسية، ودون وضع قانوني يحمي حقوقهم المدنية والإنسانية. وفي منطقة القدس الكبرى، كانت جميع هذه المواقف والممارسات قد دخلت حيز التنفيذ في الشهر الأول من الاحتلال..و في الفصل الثالث؛ يكشف المؤلف كيف كان ترسيم مساحة فلسطينية محصورة داخل عدة مناطق يهودية مستعمَرة، نتيجةً لجهد متضافر «منح السجن الهائل شكلَه النهائي».

البنية الأساسية للسجن الكبير

 

ويصف الكتاب، التخطيط الدقيق والتنفيذ السريع لهذه الخطة خلال السنة الأولى بعد نهاية حرب 1967.. «كان هناك مشروعان رئيسيان: مشروع خارجي يعتمد تقطيع الضفة الغربية وغزة إلى شرائح عبر إقامة المستوطنات.. ومشروع داخلي هو إصدار مراسيم وقوانين مستمرة لا تنتهي أبدا، والغرض منها هو مصادرة الأراضي الفلسطينية لاستعمارها مستقبلا، والحد من النمو الطبيعي والعضوي للمجتمعات الفلسطينية، وتحوَّل أهل الأراضي المحتلة منذ اليوم الأول إلى نزلاء مدى الحياة (هم وأطفالهم وأحفادهم) في سجن تحكمه بيروقراطية تنظر إليهم بوصفهم تهديدا محتملا ومصدر خطر..وعندما انتهت اجتماعات مجلس الوزراء الأساسية في يونيو/حزيران 1967؛ انتهى القرار باستبعاد الضفة الغربية وقطاع غزة من أي جدول أعمال للسلام، ونقل حكمها إلى الجيش، والإذن ببعض عمليات الطرد الخفي دون طرد جماعي، وإدماج الأراضي في الدولة اليهودية دون ضمها رسميا، وبالتالي ترك الناس هناك في طي النسيان المدني والشخصي. وتم تكليف  اللجنة المسماة «لجنة المديرين العامين» والمشكّلة من المديرين العامين لجميع الوزارات، بوضع البنية الأساسية للسجن الكبير».. وجميع اجتماعات اللجنة مدونة في مجلدين يضمان آلاف الصفحات. كانت الرغبة هي تعزيز الوجود اليهودي في الضفة الغربية، وبدرجة أقل في قطاع غزة.

  • وفي نهاية الكتاب ـ «الدراسة البحثية»  عن أكبر سجن على الأرض .. يقول المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي :  «يتقدم عمر السجن الأعظم في التاريخ (فلسطين المحتلة)، ولا يزال الجيل الثالث من السجناء ينتظرون من العالم أن يعترف بمعاناتهم ويدرك ما هم فيه من اضطهاد مستمر..وأن الحصانة التي تلقتها إسرائيل  ـ على مدى نصف قرن ـ  تشجع الآخرين (من أنظمة ومعارضين على  حد سواء) على الاعتقاد بأن حقوق الإنسان والحقوق المدنية في الشرق الأوسط لا قيمة لها».

إسرائيل تخشى سلاح  الديموغرافيا والصمود الفلسطيني

ويرى رئيس وزراء الأردن الأسبق، طاهر المصري، أنه في المقابل ، فإن إسرائيل تعرف أن هناك سلاحاً فلسطينياً عربياً مؤثراً تخشاه وتراقبه هو سلاح الديموغرافيا . وتعرف أن الفلسطينيين بيدهم سلاحاً آخر أقوى من سلاح الديموغرافيا هو صمودهم على الأرض ، وتمسكهم بهويتهم وانتمائهم واستعدادهم للتضحية في سبيل الأرض والوطن.

ولكن إسرائيل تعرف أيضاً أن هناك عرباً ، رسميين وأهلين ومراكز قوى تقول أن إيران هي الخطر الأول على العرب وليس إسرائيل..وقال المصري: إن إسرائيل خططت وطبقت بنود التوسع التي وضعها حكماء صهيون في فلسطين ، وهم يريدون الأرض وليس السكان. وبدأ التخطيط العملي للتعامل مع هذا الأمر وسوف تعطي إٍسرائيل الأولية للتعامل مع سكان الضفة الغربية، وها هي تنشأ القوانين لتبدأ بقضم الأراضي المحتلة عام 1967 وضمها إلى سيادتها تحت مسميات وإعلانات وسياســـات متعددة الأساليب والأوجه، وتحت شعــار (يهودية الدولة)، بمعنى أن إٍسرائيل لم تعد تتصرف على أساس أن الأراضي المحتلة هي أراضٍ محتلة ، كما كانت تقول سابقاً بل هي أراضي لإسرائيل الحق في ضمها لسيادتها .