فورين بوليسي: الديمقراطية التركية لم تمت لأنها لم توجد أصلاً

“لا يمكن للديمقراطية التركية أن تموت لأنها لم توجد أصلاً”.. هذه هي الخلاصة التي قدمها الزميل لدى معهد إيني إنريكو ماتي لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا لدى مجلس العلاقات الخارجية،ستيفن كوك في موقع “فورين بوليسي”.

وقال الكاتب أن المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا، قرر الأسبوع الماضي إبطال انتخابات بلدية اسطنبول الأخيرة، ما اعتبره عدد من المحللين، ورجال الإعلام بمثابة نهاية الديمقراطية التركية، ولكن كوك يسأل: كيف يمكن أن ينتهي شيء لم يكن موجوداً؟

وعلى مدار سنين، كان تأسيس الحزب الديمقراطي في 1946، بمثابة حقيقة مقبولة ليس فقط لأنها بشرت بدخول تركيا عصر سياسات متعددة الأحزاب، بل لأنها بدأت تحولاً ديمقراطياً.

وقد اكتسح الديمقراطيون السلطة في 1950 دون مقاومة من الحزب الجمهوري المهزوم، وولدت أسطورة الديمقراطية التركية.

ومنذ ذلك الوقت، أجريت انتخابات في موعدها، كان يعتقد أنها حرة ونزيهة، وتشكلت مجموعات مذهلة من الحكومات الائتلافية، خاصةً في السبعينات والتسعينات.

خلع حكومات

ولكن كما يشير الكاتب ، وقعت 4 انقلابات بين 1960 و1997 قادت لخلع  الحكومات المنتخبة، ما جعل عدداً من المراقبين يعتبرون انتخاب حزب العدالة والتنمية، الذي تسلم السلطة لأول مرة في 2002، خطوةً حاسمة على طريق الديمقراطية التركية.

وتعهد قادة الحزب بإصلاح مؤسسات أنشأها الجيش لحماية الدولة من الفرد عملت في معظمها على حساب أحزاب مثل العدالة والتنمية وناخبيه.

ولتلك الغاية، استغل الحزب غالبيته البرلمانية لتمرير رزم إصلاحية دستورية أدت إلى كبح جماح مجلس الأمن القومي، وتصعيب عمليات إغلاق أحزاب سياسية وحظر ساسة.

وأيضا ألغى الحزب أيضاً محاكم أمن دولة مدنية وعسكرية مختلطة، وعدل قانون العقوبات.

بعد 17 عاماً، غدا زعماء الحزب على شاكلة من زعموا يوماً أنهم يمقتونهم، وفيما لم يعزز الحزب دور الجيش حكَماً في السياسات التركية،

ولكن الرئيس رجب طيب أردوغان شارك في ممارسة نمط معروف من الاستفادة وإعادة هيكلة مؤسسات سياسية وقضائية تركية لضمان بقائه وحزب العدالة  والتنمية في السلطة.

ومن أبرز الأمثلة على هذا القول تشكيلة المجلس الأعلى للانتخابات، والذي شُكل من قضاة محكمة النقض ومجلس الدولة، لضمان نزاهة الانتخابات التركية.

حكم محايد

لكن المجلس الانتخابي توقف عن أداء وظيفته حكماً محايداً في العملية الانتخابية. وعوضاً عنه، أصبح المجلس من خلال تعيينات في القضاء أداة في خدمة  الحزب وأردوغان.

ويلفت الكاتب إلى ما جرى في 2017، عندما توجه الأتراك للتصويت على تعديلات دستورية وضعت خصيصاً لتعزيز سلطة الرئاسة.

وعندما أشارت نتائج أولية لرفض تلك التعديلات، ضغط حزب العدالة والتنمية، على المجلس الأعلى للانتخابات لقبول أوراق لم يتحقق من صحتها، ما حقق لأردوغان فوزاً احتاج إليه لتأسيس ما يسميه الأتراك “رئاسة تنفيذية”.

وقبل أيام، صوت المجلس الانتخابي الذي عينه الحزب على إلغاء نتيجة انتخابات بلدية إسطنبول بدعوى أساس أن الذين أشرفوا على التصويت لم يكونوا من موظفي الدولة، ما يعد خرقاً للقوانين الانتخابية.

ولكن أُبطل فقط انتخاب أكرم إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، عمدةً للمدينة. وصادق المجلس الانتخابي على نتائج انتخابات أحياء أخرى في اسطنبول فاز فيها مرشحو العدالة والتنمية، رغم أن ذات الأشخاص هم الذين أحصوا جميع النتائج.

إجراء سياسي

ويلفت كاتب المقال إلى أنه رغم كل الجهود المبذولة لوضع قرار لجنة الانتخابات العليا المشبوه في إطار قانوني، يعتبر القرار في أساسه إجراءً سياسياً.

ومنذ 2014 تغاضى عدد من الأتراك، عن مغالطات حزب العدالة والتنمية الانتخابية لأن الحزب حقق بعض الازدهار لهم. كما أن الوضع البائس للمعارضة والقمع لم يتركا لهم خيارات كثيرة.

لكن التلاعب بمؤسسات لإبطال انتخابات إسطنبول وصل إلى أبعد مدى. ويتوقع أن يفوز مرشح الحزب لأن أردوغان لم يكن ليقدم على هذه الخطوة الخطيرة ليخسر مجدداً.

ولكن لا يبدو أن سكان إسطنبول سيقبلون بأي نتيجة، وقد تكون إعادة الانتخاب في المدينة بمثابة قضية خاسرة، لكن ربما تمهد لولادة ديمقراطية تركية حقيقية.