فيلم «أد أسترا».. الانحياز للسعادة البشرية

رياض أبو عواد يكتب عن فيلم افتتاح مهرجان الجونة السينمائي

مغامرة فضائية بصورة تتهادى بجمال على الشاشة، يصور فيها المخرج جيمس جراي عالما من الاغتراب وتناقضات العلاقة بين السماء والأرض، ما بين الغياب والحضور، وبين الواقع والمتخيل والحوار الداخلي عبر الراوي بطل الفيلم براد بيت.

جاء عرض فيلم “Ad Astra” في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي إضافة نوعية للحفل، تمتع فيها من تبقى في القاعة بعد انتهاء الجزء الأول من الحفل، فالفيلم ينطلق من قصة بحث الابن براد بيت عن والده وفريقه الذين فقدوا مع  سفينتهم الفضائية قبل 20  عاما.

والبحث عن أسباب وتعرض الأرض لزخات من الطاقة المدمرة القادمة من الكوكب، الذي فقد والده حوله، ومن خلال الحوار مع المختصين في القوات الأمريكية الفضائية يتم الحوار حول إمكانية العثور عن الوالد، وبالتالي فهم الأسباب لهذه الظاهرة المدمرة لكوكب الأرض وضرورة إرسال البطل للبحث عن والده لوضع حد لها.

يتعرض البطل خلالها للعديد من الفحوصات، الأهم بينها الفحوصات النفسية التي تنقل حالة الاغتراب والانفصال الإنساني لديه وتركيزه على النجاح في عمله من أجل البشرية، رغم انفصاله الواقعي والحياتي عن ما حوله، حتى عن المرأة التي أحبها ولم يصارحها بهذا الأمر.

وتأتي أهمية هذا الحوار في أنه ينقل واقع الاغتراب الفعلي للبشر، وخصوصا مع التقدم التكنولوجي، إلى جانب العمق الفلسفي لمفهوم الاغتراب بالمعنى الفكري، المتمثل في العلاقة بين السماء والأرض بين الفكر الغيبي والفكر العلمي بين الواقع والخيال.

فالواقع إن الأب الغائب يرمز لفكر غيبي رغم أنه انطلق وراء العلم أو بالأحرى في محاولة إيجاد حياة عاقلة بما تعكسه من أبعاد فكرية كونية اتسمت بفكرة الغيب وعدم يقين الابن من وجود الأب من عدمه، ولكن البحث عنه أصبح ضرورة لحل مشكلة البشرية على الأرض وحمايتها من التهلكة.

الحوار الداخلي، الذي يقدمه براد بيت عن نفسه وعن والده وعلاقته في الحياة تكشف عند لقائه مع والده في الفضاء عن علاقة مرتبكة الوالد لا يهتم إلا بما ينجز لا بزوجته وابنه، وإنجازه هذه يخلق إشكالية المعرفة والتوقع بين الأب المنفصل عن الواقع والمغرق في الكونية والابن الذي يعيش حالة الفقد للأب ضمن المقولة المسيحية “الأب والابن والروح القدس”، إلى جانب شعوره الطويل بالاغتراب عن الواقع البشري بتفاصيله اليومية المشتركة بين الأب والابن كأساس للخلفية الغيبية التي تراهن على معرفة مرتبطة بفكرة الغياب، غياب الأب، غياب الابن والزوجة والأم.

يكتشف الابن بعد لقائه مع والده أن والده وفريقه هم أساس الكارثة التي تتعرض لها الكرة الأرضية بعد أن اختلفوا وتنازعوا فيما بينهم وقتلوا بغالبيتهم باستثنائه وكسروا شيئا أطلق الكارثة ولم يستطع الوالد خلال تلك الفترة أن يصلح الكارثة التي تسبب فيها فريقه ويقترح على الابن أن يعملا معا لاكتشاف حياة عاقلة في الكون فهما قد يكونا فريقا متميزا في عملية الكشف، إلا أن الابن يصر على أخذ الوالد إلى الأرض.

يموت الأب ضائعا في السماء بعد تعرضهم لزخة قوية من الطاقة، وينجو الابن ويعود وحيدا إلى إطار من الديالوج الداخلي يركز فيه على قطع العلاقة مع الغيب والسماء والعودة للأرض للحب للسعادة والخروج على حياته المغتربة الداكنة إلى حياة أكثر انفتاحا وسعادة على من يحب ومن يعيش حوله ضمن مسؤولية كاملة اتجاههم، لكنه الأب الموجود وغير الموجود والابن الباحث عن أسباب الحياة والاقتراب منها.